الصفحة 2 من 4

والأمراض استنادا إلى حديث رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ (إن كان في شيء من أوديتكم خيرا ... ) (1) وذكر منها (شربة عسل) ، وكذلك حديث (عليكم بالشفاءين العسل والقرآن) . أما الفريق الآخر فقد حصر الاستشفاء بالعسل على أمراض معينة، وفي هذا الشأن قال ابن كثير ـ رحمه الله (2) : (قال من تكلم على الطب النبوي: لو قال المولى سبحانه فيه الشفاء الناس لكان العسل دواء لكل داء، ولكن قال: فِيهِ شِفاءٌ للنَّاسِ أي يصلح لكل أحد من أدواء باردة، فإنه حار، والشيء يداوي بضده) . ولعل ظهور بعض المتعارضات الوهمية عند تطبيق العلاج بالعسل قد جعل هذا الفريق من العلماء يؤكدون على أن الاستشفاء بالعسل يكون في أمراض معينة تجنبا لتعارض ذلك من القرآن الكريم والسنة النبوية.

وعلى أي حال فمن أخذ برأي الفريق الثاني من العلماء وهو أن العسل فيه شفاء من أمراض وأسقام معينة فليس في ذلك حرج ولا تصادم في النتائج التي تبدو متعارضة مع نصوص الكتاب والسنة، ومن أخذ برأي الفريق الأول وهو أن العسل شفاء أو فيه الشفاء، فلا بد له من تفسير لظاهرة التعارض أو التصادم التي قد تحدث في حالة بعض الأمراض وبخاصة مرض السكر مع نصوص الكتاب والسنة، إذ نجد في بعض الأحاديث أن لفظ الشفاء قد جاء معرفا بـ (ال التعريف) مع العسل وغيره، ففي صحيح الإمام البخاري (3) رحمه الله تعالى من حديث سالم الأفطس عن سعيد بن جبير عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم: (الشفاء في ثلاثة: في شرطة محجم، أو شربة عسل، أو كية بنار، وأنهى أمتي عن الكي(4) .

وعلىأي حال فنحن نميل إلى الرأي الأول وهو أن العسل فيه شفاء بإذن الله من كل داء وسقم، ولكن لابد لنا قبل الشروع في الاستشفاء به أن نعرف هل العسل الذي نستخدمه هو عسل طبيعي تكوَّن حسب الفطرة السليمة التي أوجدها الله سبحانه وتعالى في النحل لتكوينه، أم أن الإنسان تدخل بإحداث تغيير في هذه الفطرة؟

كنا قد تناولنا هذا الموضوع بالتفصيل في الجزء الأول من كتاب (وجوه متنوعة من الإعجاز العلمي في القرآن والسنة) وألقينا الضوء على الإعجاز العلمي في آيات سورة النحل، وعرفنا أن القرآن الكريم قد رتب أنواع العسل من حيث الجودة، وأشار إلى العوامل الرئيسية التي من شأنها أن تعمل على إخراج العسل الذي فيه شفاء للناس، وهو العسل من النوع الأول الذي جاء حسب ترتيبه في القرآن والذي لم يتدخل الإنسان في فطرة تكوينه. وعرفنا أن مثل هذا النوع من العسل يحتوي على نوع من الهرمونات يشبه الأنسولين (عن هذا الموضوع انظر: العلاج بعسل النحل للدكتور يو يريش) ومررنا على تلك الأبحاث العلمية التي دلت على أن مرضى السكر لم يتأثروا من تناولهم هذا النوع من العسل، وعليه ظهر للجميع أن التعارض الوهمي بين الاستشفاء بالعسل، وبين النتائج العكسية التي تظهر غالبا لدى مرضى السكر، إنما يعود أصلا إلى تغيير فطرة تغذية النحل، وكذلك عدم مراعاة العوامل والشروط اللازمة التي أشار إليها القرآن الكريم، ونشير هنا إلى أن هذا النوع من التغيير في الفطرة، يُنسب إلى قسم من أقسام التلوث البيئي تحت اسم الدَّخل على فطرة التغذية (Pollution of Nutrition) ، القينا الضوء عليه في الجزء الأول من كتاب (مقدمة لعلوم التلوث البيئي) ، إذ يتخلق كل شيء حي، وغير حي في هذا الوجود حسب فطرة سليمة أوجدها المولى سبحانه وتعالى في هذه الأشياء، ويتغذى كل نبات وكل حيوان حسب هذه الفطرة السليمة أيضًا. ونلاحظ في الطب النبوي الشريف هديا يدلنا على استخدام أو استعمال أشياء معينة حية وغير حية للاستشفاء بها، وفيها ـ بإذن الله تعالى وقدرته ـ الشفاء أو الانتفاع بها. ولهذا فلا بد لنا أن نستخدم أو نستعمل هذه الأشياء بعد تخلقها حسب الفطرة السليمة، غير أن تدخل الإنسان في تغيير فطرة تخليق هذه الأشياء وتكوينها يؤدي إلى فقد جزء من الأثر النافع المرجو منها، فإذا حدث ما لا يرجوه الإنسان فعليه أن يعزو ذلك إلى التغيير الذي أحدثه هو في هذه الفطرة السليمة، وإلا فإن الأصل في النتائج المرجوة من استخدام هذه الأشياء هو النفع والاستفادة.

ولأن المجال لا يسمح لنا بالتوسع فيمكن الرجوع إلى الكتابين لمن أراد التفصيل.

على أية حال نعود إلى موضوع هذا المقال المتعلق بفهم قول المصطفى ـ صلى الله عليه وسلم ـ (أنتم أعلم بأمر دنياكم) ، فقد لا يفهم مباشرة المقصود من أقواله ـ صلى الله عليه وسلم ـ بل ربما يكون فيها قصد آخر.

فهم الأحاديث النبوية المشرفة

عموما قد يفهم بعض الناس أقوال الحبيب المصطفى ـ صلى الله عليه وسلم ـ فهما ظاهريا دون أن يتفكروا ويتأملوا في هذه الأقوال، ولذلك قال الرسول ـ صلى الله عليه وسلم: (نضَّر الله امرأ سمع منا شيئا فبلَّغه كما سمعه فرب مبلَّغ أوعى من سامع) .

فالرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ لا يقول إلا حقا في مزحه ومداعبته، في غضبه ورضاه، في أمور الدين كلها وأمور الدنيا. ولقد وردت في المسند (أن عبدالله بن عمرو بن العاص قال: قلت يا رسول الله: إني أسمع مقالة أفأ كتبها؟ قال: نعم، قلت: في الغضب والرضا؟ قال: نعم، فإني لا أقول فيهما إلا حقا) . ولقد صح أن الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ أمر بنفسه بعض المزارعين إيقاف تأبير النخيل، ونُقل هذا الخبر إلى بعضهم .. فخرج بعض التمر شيصا (الشيص رديء التمر) . فقال الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ في ذلك أقوالا مختلفة حسب اختلاف الزمان والمكان والحادثة المرتبطة بذلك، لأن وقائع إيقاف تأبير النخيل لم تخص فئة واحدة من المزارعين، ولا مكانا واحدا ولا زمانا واحدا، بل تدل الأحاديث التي وردت في هذا الشأن أن وقائع إيقاف تأبير النخيل كانت في أزمنة وأماكن مختلفة ومع أقوام مختلفين من المزارعين، ومنهم من خصهم الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ بالزيارة، وأمرهم بإيقاف تأبير النخيل ثم خصهم بالزيارة مرة أخرى عندما ظهرت النتائج وقال ـ صلى الله عليه وسلم ـ قوله المعروف: (أنتم أعلم بأمر دنياكم) .

ولقد فهم بعض الناس هذا القول فهما خاطئا دون أن يتأملوا المعاني الدقيقة التي يشملها هذا القول، ودون أن يفكروا أو يتأملوا في الحكمة من إيقاف تأبير النخيل، إذ خُيِّل لبعضهم أن الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ لم يعلم بدور ووظيفة تأبير النخيل، وما هي الفائدة المرجوة من ذلك، كما خيل لهم أيضًا أن أمره ـ صلى الله عليه وسلم ـ بإيقاف تأبير النخيل كان أمرا عارضا حدث فقط عند مروره ببعض القوم الذين كانوا يقومون بتلقيح النخيل، في حين أنه لم يكن شيئ من ذلك صحيحا. فالرسول صلوات ربي وسلامه عليه كان على علم ومعرفة تامة بدور ووظيفة التأبير والفائدة المرجوة منه.

فهل أدرك هؤلاء الحكمة من أمره صلى الله عليه وسلم؟

وكي نتأمل بيسر وسهولة الأحاديث التي وردت بخصوص إيقاف تأبير النخيل كان علينا أن نمر على جميع الأحاديث التي جاءت في هذا الشأن، فهذه الأحاديث تظهر لنا أمورا كثيرة منها:

1 ـ أن الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ كان على علم ومعرفة بدور ووظيفة تأبير إناث النخيل وفائدة هذا التأبير ونفعه في إصلاح التمر من أول لحظة شاهد فيها عملية التأبير وذلك عندما أخبره الصحابة بدور ووظيفة هذا التأبير.

2 ـ أن أمره صلى الله عليه وسلم بإيقاف تأبير النخيل لم يكن أمرا عارضا بل كان يعنيه المصطفى ـ صلى الله عليه وسلم ـ لحكمة مخفية، فالرسول صلوات ربي وسلامه عليه كان يعرف خبرة المزارعين الطويلة في الزراعة عموما، وفي زراعة النخيل خاصة، ويعرف باعهم الطويل في هذا المجال، وكان من البديهي ـ والله أعلم ـ أن الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ كان يعرف أن نتيجة عدم تأبير النخيل ستظهر مباشرة عند موسم الحصاد، وسيأتي الناس ليسألوه عن ذلك.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت