الصفحة 3 من 4

3 ـ بالرغم من أن الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ كان يعلم بأن أمر تأبير النخيل هو أمر دنيوي تظهر نتيجته بالإيجابية أو السلبية بالفعل أو عدم الفعل، وأنه ـ صلى الله عليه وسلم ـ قد عرف دور ووظيفة التأبير، لكننا وجدنا أن الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ قد قام بالتحدث مع المزارعين وأمرهم بإيقاف تأبير النخيل، أو نقل هذا الأمر إلى بعضهم عن طريق الصحابة، كما ذهب إلى بعضهم بنفسه ـ صلى الله عليه وسلم ـ ليأمرهم بوقف تأبير النخيل، ثم عاد إليهم مرة أخرى بعد ظهور النتيجة ليسألهم بنفسه عن حالة تمرهم بعد أن صار شيصا، وهو ـ صلى الله عليه وسلم ـ على علم بذلك.

كل هذه الأمور تجعلنا نفطن بأن هناك أمورا خفية وحكمة لا نعرفها من وراء هذا العمل، فليس كل ما وصل لنا من قول أو فعل للنبي ـ صلىلله عليه وسلم ـ يمكننا أن ندرك بشكل مباشر ما يقصده منه صلى الله عليه وسلم، بل لا بد لنا أن نتأمل في ذلك حتى تتكشف لنا المعاني الدقيقة لهذه الأقوال أو الأفعال، وتظهر لنا منها الحكمة المخفية علينا، أو جزء من هذه الحكمة.

لقد كشفنا في كتاب (لمحات مضيئة على أحاديث إيقاف تأبير النخيل) بعض الوجوه لتلك الحكمة الخفية من أمره ـ صلى الله عليه وسلم ـ بإيقاف عملية تأبير النخيل، ووجوهًا أخرى من الإعجاز العلمي في أحاديث إيقاف التأبير، ونكشف اليوم وجوهًا جديدة.

فما هي هذه الوجوه؟ وإلى أي شيء تهدف؟

هم هذه الوجوه يتمثل في الكشف عن أسلوب من أساليب الرسول المعلم ـ صلى الله عليه وسلم ـ في التعليم، فالهادي البشير والسراج المنير والمعلم الكبير صلوات ربي وسلامه عليه كان ينوع أساليب التعليم، ولعل ما كتبه فضيلة الشيخ عبدالفتاح أبو غدة ـ رحمه الله ـ في كتابه: الرسول المعلم ـ صلى الله عليه وسلم ـ وأساليبه في التعليم، يظهر لنا أهم هذه الأساليب، إذ تمكن الشيخ أبو غدة أن يحصي (40) أسلوبا من أساليب المصطفى ـ صلى الله عليه وسلم ـ في تعليم الناس أمور دينهم ودنياهم، ذاكرا أن المصطفى ـ صلى الله عليه وسلم ـ كان يختار في تعليمه من الأساليب أحسنها وأفضلها، وأوقعها في نفس المخاطب، وأقربها إلى فهمه وعقله، وأشدها تثبيتا للعلم.

ثم ذكر أن من درس السنة وقرأها بإمعان رأى أن الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ كان يلون الحديث لأصحابه ألوانا كثيرة، فكان تارة يكون سائلا، وتارة يكون مجيبا، وتارة يجيب السائل بقدر سؤاله، وتارة يزيده على ما سأل، وتارة يضرب المثل لما يريد تعليمه.

ولعل التفكر والتدبر في أحاديث إيقاف التأبير يجعلنا نضيف إلى ما ذكره فضيلة الشيخ أبو غدة، أسلوبا آخر من أساليب المصطفى ـ صلى الله عليه وسلم ـ في تعليم كافة المسلمين، هذا الأسلوب يتمثل في التعليم من خلال نتيجة العمل، إذ يظهر أن هذا الأسلوب التعليمي من خلال أحاديث إيقاف التأبير وأحاديث أخرى. فقد كان الحبيب المصطفى ـ صلى الله عليه وسلم ـ يعمد إلى تطبيق بعض الأمور حتى يجعل الناس يستشفون بأنفسهم حقيقة هذا الأمر من خلال النتيجة التي تظهر. وإذا ما غفل الناس عن هذه الحقيقة وضحها وبيَّنها لهم.

وهناك أمثلة مختلفة تبين لنا كيف كان الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ يعمد على تعليم الناس بهذا الأسلوب من خلال العمل والتطبيق، وجعل النتيجة كوسيلة تحث الناس على استدراك الحقائق بأنفسهم، فإن لم يفعلوا ذلك علمهم وأرشدهم إليها. ومن أمثلة تعليمه ـ صلى الله عليه وسلم ـ الناس أمور دينهم من خلال نتيجة العمل الإجابة على سؤال أحد الذين سألوا عن وقت صلاة الصبح وذلك من خلال التطبيق العملي. فقد جاء في الموطأ للإمام مالك ـ رحمه الله ـ أن رجلا جاء إلى الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ فسأله عن وقت صلاة الصبح، فسكت عنه رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ حتى إذا كان من الغد صلى الصبح حين طلع الفجر، ثم صلى الصبح من الغد بعد أن أسفر ـ أي بعد انكشف وأضاء ـ، ثم قال:

(أين السائل عن وقت الصلاة؟) قال: هأنذا يارسول الله، فقال: (ما بين هذين وقت) .

وبالنسبة لتعلم الناس أمور دينهم ودنياهم من خلال أمره ـ صلى الله عليه وسلم ـ بعدم التأبير، فإن هذا الأمر نستشفه من خلال سؤال يطرح نفسه، وهو:

هل تعلم المسلمون شيئا من أمره بعدم التأبير؟

لو تمعنا في هذا السؤال، لرأينا أن المسلمين قد تعلموا أشياء كثيرة من خلال نتيجة عدم التأبير، ومن ذلك ما يلي:

1 ـ تأكدت للمسلمين أولا وقبل كل شيء حقيقة أمور الدنيا وحقيقة أمور الآخرة. فأمور الدنيا ظنية لا تُعرف حقيقتها إلا من خلال الممارسة والتطبيق والتجربة. ولهذا قال الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ في مناسبة أمره بعدم التأبير: (إن كان شيئا من أمر دنياكم فشأنكم به) ، أما أمور الآخرة فهي حقائق لا يجد الظن إليها أبدًا أي طريق أو أي ثغرة، فهي أمور قطعية، ولابد لنا أن، نرجعها إلى كتاب الله سبحانه وتعالى وإلى سنة الحبيب المصطفى ـ صلى الله عليه وسلم ـ .. ولذا فقد قال الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ في نفس المناسبة: (وإذا كان شيئا من أمر دينكم فإليَّ) .

2 ـ تعلم المسلمون أن إخضاع الشيء الدنيوي للتجربة والتطبيق يكشف لهم عن الحقيقة الدنيوية الخاصة بهذا الشيء، وبما أن أمور الدنيا ظنية تدخل في دائرة الظن، فلا يمكن الخروج من هذه الدائرة إلى دائرة اليقين إلا عن طريق التجربة. بل إن معظم الحقائق العلمية التي كشف العلم النقاب عنها بدأت أولا بالظن، فالشيء الدنيوي الذي يُظن بحدوثه أو عدم حدوثه لا يمكن أن تُعرف حقيقته يقينا ما لم نلجأ إلى التجربة والتطبيق، ونتائج التجارب الصحيحة هي التي تظهر هل حقيقة الظن إيجابية أم سلبية، ويبقى أمر الظن فيما يخص أمور الحياة في هذه الدنيا معلقا لا يعرف صاحبه هل ظنه صحيحا أم خطأ ما لم يخضع هذا الأمر الدنيوي للتجربة والتطبيق، فغالب الاكتشافات العلمية والحقائق لم يعرف حقيقتها الإنسان إلا بعد أن أخضع الأشياء التي يظن بحدوثها للتجارب التطبيقية. فأساس كشف الحقائق يعتمد على الظن، والتجربة هي المحك الذي يوضح هل هذا الظن صحيحا أم خطأ. فصدق من لا ينطق عن الهوى، أوليس هو القائل في بعض أحاديث إيقاف التأبير: (وإن الظن يخطئ ويصيب) ؟ وحتى تتجلى حقيقة هذا القول للعالم بأسره، كانت وقائع إيقاف التأبير هي التجربة والتطبيق الذي عرف الناس من خلاله كيف كانت حصيلة النخيل المحبة للقاح، غير أنه لم ينتبه الناس إلى الجانب الآخر من نتائج هذه التجربة، وهو الجانب الإيجابي المتمثل في معرفة تلك الأنواع من النخيل القنوعة باللقاح عن طريق الرياح والحشرات، والتي لا تحتاج إلى تأبير. فتجربة إيقاف التأبير أظهرت هذه الأنواع، غير أن نقص الحصيلة بصفة العموم في ذلك العام ربما جعل الناس لا ينظرون إلى تلك النخلات التي أنتجت ثمرا طيبا من غير تأبير.

ونعتز ونفخر بأن المنهج العملي الذي يتبعه علماء هذا العصر للكشف عن الحقائق العلمية إنما سبقهم به رسول الهدى ـ صلى الله عليه وسلم ـ فهو الذي أقر بأن أمور الدنيا لا يقف على حقيقتها وواقعها إلا من يعمل ويمارس عمله على الأمر الدنيوي المعني، ويُخضع هذا الأمر للتجربة والتطبيق، ولهذا فإننا نرى أن المصطفى ـ صلى الله عليه وسلم ـ قد قال لمن خص من المزارعين بالزيارة لإيقاف تأبير النخيل وخصهم بالزيارة بعد ذلك عند ظهور النتيجة (أنتم أعلم بأمر دنياكم) ، ولم نجد في أحاديث إيقاف تأبير النخيل أنه قال هذا القول لغيرهم.

3 ـ تعليم المسلمين الأخذ بالأسباب في أمور الدنيا مع التوكل على الله. فالله سبحانه وتعالى خالق الأشياء وهو سبحانه مسبب الأسباب. فتأبير النخيل يعتبر سببا من الأسباب الذي جعله المولى سبحانه وتعالى لعقد ثمار النخيل شديدة ومتوسطة الرغبة في التلقيح، فلابد للإنسان أن يأخذ بالسبب ويتوكل على الله، فالسعي في السبب لا ينافي التوكل على الله، بل يشترط الأخذ بالأسباب.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت