من كان فكره دائم التشويش فمن المسلّم به أن عمله سيكون غير متقن لأن الفكر أساس العمل، وليس لديه ميزان صحيح للأعمال، لذا إن صدرت عنه الأعمال السيئة وأراد أن يصلح عمله الفاسد يضل الطريق فيتوسل بأسباب لا تصلح عمله أبدًا، فمثلًا يرتكب الفحشاء ثم إذا أراد إصلاحها تعلق بأذيال الأموات أو نحر للأصنام أو سجد لغير الله, وإذا أكل أموال الناس ثم أراد التوبة قام بإنفاق بعض المال على الكهنة أو أصحاب الأصنام, أو يأكل الربا ثم إذا أراد إصلاح ذلك أخرج بعض الطعام, هكذا يظن أنه يطهّر نفسه من المعصية.
لو تأملنا بدقة لأدركنا أن سبب فساد الناس هو الشرك، وسبب الانحطاط لمجتمعنا هو توسل أفراد المجتمع بغير الله، وسبب الرذائل التي تحكم المجتمع هو عدم معرفة الله تعالى.
يقول الله تعالى في الحديث القدسي: (كلمة لا إله إلا الله حصني فمن دخل حصني أمن من عذابي) .
خلاصة الكلام: أن المعتقد بلا إله إلا الله يجد في نفسه آدابًا وأخلاقًا فاضلة، لكن مع هذا كله لا أريد أن يُفهم أن كل من قال لا إله إلا الله سيكون مباشرة صاحب أخلاق فاضلة..شجاع وعفيف وحكيم وسخي وعادل.. وهو لا يعرف هذه الصفات [1] .
الحرية التامة التي يتمناها البشر ويتكلم عنها الفلاسفة أخص من يتصف بها الموحد الحقيقي، لأن الموحد حرّ من الشهوة، بل يرى الشهوة والغضب تابعة لنفسه وليس هو تابع لها، وهو حرّ من الأوهام لأنّه قد اقتلع جذور الأوهام من رأسه بالتوحيد، وأسقط عن كاهله ثقل الخرافات والاعتقاد بسعد ونحس الأيام وعبادة الأحجار والأخشاب فهو لا يعبد البشر ولا يدعو أحدًا إلى ذلك.
والحاصل أنه حر وليس حمارًا يساق، وفي اصطلاح الفلاسفة هو المسمى بصاحب الحكمة والحرية.
(1) يقصد المؤلف رخمه الله أن لا إله إلا الله تكون دافعًا له إلى هذه الصفات الحميدة, خلافًا لبعض الاعتقادات التي تحمل صاحبها على مساوئ الأخلاق.