إذا تمكنت العفة والشجاعة والسخاء في نفس الموحد صار عقله مستقيمًا وقلبه مخبتًا كما يقول تعالى (إن تتقوا الله يجعل لكم فرقانًا) (8/30) ، أي: فيكون بذلك مميزًا بين الحق الباطل، فعلمنا أن (لا إله إلا الله) كما أنها ترتقي بالعقل وتقتلع منه أشجار الخرافات والأوهام كذلك تثبّت في النفس جميع الفضائل، فكلمة التوحيد أصل الفلاح والفوز ومبدأ العلم والتربية ورقي الإنسان، وبعكس ذلك فإن الشرك مبدأ لكل الرذائل والمفاسد وسبب لضعف العقل والإرادة والانحطاط عن مرتبة الإنسانية، لأن المشرك متقلب باستمرار ومبتلى بالوساوس يلجأ إلى كل شيء ويخاف من كل شيء, والحاصل أنه غير معتمد إلى أصل أصيل، ليس عنده قاعدة راسخة ولم يلبس لباس التقوى، فلهذا عقله معوج لا يستطيع أن يصدق كلمة الحق، فصار ألعوبة للحوادث والكهنة لأنه غير معتصم بالركن الوثيق ركن التوحيد وغير متمسك بالعروة الوثقى التي هي (لا إله إلا الله) يتحرك مع كل ريح ويخاف من كل شيء (وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنْ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ) (22/33) ، هذا التشبيه في كلمات هذه الآية يعني أن كل من سقط عن مراتب التوحيد والوحدانية إلى حضيض الشرك وعبادة غير الله تسلط عليه هوى النفس فآذاه, وهَوَت به رياح الضلالة والوساوس الشيطانية في وادي الشقاوة والحيرة.