فهرس الكتاب
تنير الدنيا هي بعينها إضاءة الشمعة التي لا تضيء إلا جزءًا يسيرًا مما هي فيه؟ هل يقول عاقل ذلك؟ بالطبع لا، بل لكل إضاءته التي تخصه، فلما اختلفت الإضافتان اختلفت الصفتان، فلو سألنا وقلنا: لماذا اختلفت الإضاءتان؟ فنقول: لأن الإضاءة الأولى أضيفت للشمس، والإضاءة الثانية أضيفت للشمعة، فصار لكل إضاءته الخاصة به، ونحن نرى أيضًا أن للبعير وجهًا وللإنسان وجه، فهل يتفق وجههما لاتفاق الاسم؟ بالطبع لا، فالوجه الأول أضيف للبعير فيكون مناسبًا لحاله والوجه الثاني أضيف إلى الإنسان فيكون مناسبًا لحاله ومجرد الاتفاق في اسم الوجه لا يلزم منه الاتفاق في الصفة. فإذا كان ذلك فيما بين المخلوقات التي تتفق في أصل الخلق، أفيكون ذلك لازمًا فيما بين الخالق الكامل في ذاته وصفاته وأفعاله وبين المخلوق الضعيف والعاجز الناقص، فنظر بارك الله فيك بركة هذه القاعدة، فإنها تقضي على مذاهب الممثلة والمعطلة، ونكون بذلك قد انتهينا من تقرير هذا الأمر المهم، وهو بيان سبب ضلال هذه الفرق وكيف قابل أهل السنة ذلك الفساد وأصلحوه، أصلح الله قلوبنا وأعمالنا وبواطننا وظواهرنا والله أعلى وأعلم وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
(( فصل ) )
ومنها: أي ومن الأمور المعينة على تيسير فهم منهج أهل السنة في باب الأسماء والصفات أن تعلم رفع الله نزلك في الدنيا والآخرة أن أهل السنة رحمهم الله تعالى قد قسموا صفات الله تعالى إلى قسمين: صفات ذاتية وصفات فعليه، وفرقوا بينهما بقولهم: كل صفة ملازمة للذات لا تنفك عنها أزلًا وأبدًا فهي صفة ذات، وسموها صفة ذات لملازمتها للذات وعدم إنفكاكها عنها وذلك كالحياة والعلم والقوة والسمع والبصر والقدرة والوجه واليدين والعين ونحو ذلك فكل هذه الصفات صفات ذات لأنها لا يتصور أصلًا إنفكاكها عنه جل وعلا، وأما الصفات الفعلية هي التي يفعلها متى شاء، أي هي متعلقة بالمشيئة فمتى ما شاء فعلها ومتى ما شاء لم يفعلها فلأنها متعلقة بالمشيئة سميت فعلية، لأن