فهرس الكتاب
المبحث السادس:
جهود أهل السودان في القرآن والقراءات
لقد وصل الإسلام والقرآن إلى السودان منذ القرن الأول الهجري، وظل المسلمون ينتشرون ويتكاثرون، ومضى شأن الإسلام والقرآن في بلادنا، فأنشئت المساجد وألحقت الخلاوي (131) بها لتعليم القرآن الكريم، وأضحت الخلاوي في تقدم مستمر، تؤدي رسالتها، حتى أصبحت مدن قرآنية كبيرة يقوم عليها الخيرون من أهل السودان، وتستوعب أعدادًا كبيرة من الدارسين والدارسات ينهلون من معينها، فخرجت الحفظة والعلماء أجيالا بعد أجيال ليواصلوا مسيرة الجهد في القرآن الكريم، يقول فيها الأستاذ الدكتور يوسف الخليفة أبو بكر (132) :"وكان المسيد هو البوتقة التى انصهرت فيها المجتمعات المحلية المتباينة في ثقافتها ولغاتها وعاداتها وتقاليدها وعقائدها وقيمها وكانت الخلوة هى الأساس في تنشئة الأجيال السودانية طوال القرون الماضية وكانت وما تزال هى الأساس ومكان التعليم الذى يستمر من المهد إلى اللحد أو التعليم مدى الحياة لا تعرف قيدا للالتحاق بها فتقبل الصغير والكبير وتقبل في كل الأوقات لا تعرف حدا لعدد الملتحقين بها ولا تعرف عددا من السنوات للبقاء فيها (133) "، ويقول الأستاذ الدكتور أحمد على الإمام (134) :"ولله تعالى الفضل والمنة على حسن البداية بالمسيد حيث تعلم التلاميذ القراءة والكتابة وحفظوا قدرا من القرآن الكريم وربما بلغوا به الختم الأول ثم التحقوا من بعد بالمدارس فكان ذلك سر نجاحهم فيها وقوتهم أيضا وذلك مما عصمهم من فتنة الاستخراب"الاستعمار"ومن والاه، إذ حفظ القرآن ناشئتنا من إغراءات الداعين للانفصام عن الأصول العاصمة (135) ".
الروايات السائدة في السودان وهى: رواية ورش عن نافع المدني، ورواية أبي عمر الدورى عن أبي عمرو البصري، ورواية حفص عن عاصم الكوفي، وهناك مؤسسات أخرى في بلادنا لها جهود مقدرة في نشر القرآن الكريم وعلومه، كجمعية القرآن الكريم والمدارس القرآنية وحلقات المساجد وغيرها من جهود المخلصين من أهل السودان، وعلاوة على ذلك فإن الدولة شجعت الخلاوى ورصدت جائزة كبرى سنوية يتنافس فيها حفظة القرآن الكريم من جميع أنحاء السودان، وهناك توجيهات رئاسية لتكريم حافظ القرآن الكريم بخطاب (136) برقم ق ج /م ت/ أ/1 مكرر: 51/أ/1/ 1 بتاريخ 10/رجب 1422 هـ الموافق 27/ 9/2001 م موجه إلى السادة الولاة لوضع هذه التوجيهات موضع التنفيذ: منها معاملة حفظة القرآن الكريم معاملة خريجى الجامعات فيما يخص بالرواتب وشروط الخدمة، وأيضًا انشئت لخدمة القرآن: المعاهد العلمية، ومعاهد القرآن الكريم والدراسات الإسلامية، ومعاهد القراءات، ومعاهد إعداد الحفظة لاستيعاب خريجي الخلاوى من حفظة القرآن الكريم وغيرهم، كما أنشئت كلية القرآن الكريم وتضم قسمي القراءات والدراسات الإسلامية، وفى إطار ثورة التعليم العالي تطورت الكلية إلى جامعة للقرآن الكريم والعلوم الإسلامية والتي تضم بالإضافة إلى كلية القرآن الكريم: كلية الشريعة، و كلية اللغة العربية، و كلية الدعوة والإعلام، و كلية الاقتصاد والعلوم الإدارية، وكلية الدراسات العليا والبحث العلمي، واحتفلت كلية القرآن الكريم بمرور خمسة وعشرين عاما على تأسيسها 2007 م في عهد مدير الجامعة الحالي الأستاذ الدكتور/ سليمان عثمان محمد وهو في خدمة الجامعة في تفان ونكران ذات، حفظه الله ورعاه وسدد خطاه، وتواصل الجامعة رسالتها المباركة بإذن الله تعالى إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.
(131) الخلوة تسمية خاصة بأهل السودان وتعني مقر تعليم القرآن الكريم، وتسمى في العالم الإسلامي بأسماء مختلفةمنها: الكتاب، المدرسة القرآنية، مراكزتحفيظ القرآن الكريم، وكانت تسمى في الأندلس محضرة وجمعها محاضر، كما في قول الإمام بن حزم:
مناي في الدنيا علوم أبثها ... وأنشرها في كل باد وحاضر
دعاء إلى القرآن والسنة التي ... تناسى رجال ذكرها في المحاضر
(انظر الخلوة والعودة الحلوة ص 13)
(132) شيخنا الأستاذ الدكتور يوسف الخليفة أبوبكر العالم العلامة العامل القدوة، بدأ تعليمه بالخلوة فمعهد أم دمان العلمي الأوسط والثانوي، تعليمه الجامعي جامعة القاهرة وتعليمه فوق الجامعي (الماجستير والدكتوراة) جامعة عين شمس والقاهرة ومتشجان في أميركا، أدينبرا في اسكتلاندا ومانتشر في إنجلترا. وعمل معلما في المدارس التانوية السودانية وأمينا عاما لجامعة أم درمان الإسلامية، وأستاذا مشاركا في جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية بالسعودية، ووكيلا ثم وزيرا للشؤن الدينية، وخبيرا بمنظمة الثقافة والتربية والعلوم، أستاذ بمعهد الخرطوم الدولي (نقلًا عن أصوات القرآن كيف نتعلمها ونعلمها)
(133) الخلوة والعودة الحلوة ص 46 ..
(134) شيخنا الأستاذ الدكتور أحمد علي الإمام العالم العلامة العامل القدوة، بدأ مسيرته بحفظ القرآن الكريم في الخلوة وزاد على ذلك جمعه للقراءات العشر المتواترة. و نال على يد والده علوم الفقه واللغة العربية، ودرس في معهد دنقلا العلمي ومعهد أم درمان العلمي وجامعة أم درمان الإسلامية كلية الدراسات الإسلامية 1971 م، والدراسات العليا في جامعة أدنبرة بالمملكة المتحدة، وحصل على الدكتوراة في علو م القرآن، وهيأ الله له إتقان لغات ثلاث العربية والإنجليزية والسواحلية عمل بالتدريس في السودان وخارجه شغل منصب الأمين العام لهيئة علماء السودان، ومديرجامعة القرآن والعلوم الإسلامية، ومستشار لرئيس الجمهورية لشئون التأصيل والتخطيط الاستراتيجي، ومناصب قيادية أخرى، ورئيسا لمجلس جامعة القرآن والعلوم الإسلامية، وله مؤلفات كثيرة في تفسير القرآن الكريم منها: مفاتيح لفهم القرآن: التوفيق بين القراءات في القرآن الكريم (موسوعة أهل الذكر بالسودان 2/ 662)
(135) الخلوة والعودة الحلوة ص 46 ..
(136) انظر الخلوة والعودة الحلوة ص 131