ثم بعد هذا يأتي الأمر الثالث وهو: أن يفعل الأسباب المأذون فيها شرعًا.
قال تعالى: {وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا} ومن يتوكل على الله فهو كافيه ما أهمَّه في جميع أموره. إن الله بالغ أمره، لا يفوته شيء، ولا يعجزه مطلوب، قد جعل الله لكل شيء أجلا ينتهي إليه، وتقديرًا لا يجاوزه.
وفي صحيح البخاري عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: حسبنا الله ونعم الوكيل قالها إبراهيم حين ألقي في النار وقالها محمد حين قالوا له: إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم فزادهم إيمانا وقالوا: حسبنا الله ونعم الوكيل.
من أسباب الطمأنينة:
{ياأيها الذين آمنوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فاثبتوا واذكروا الله كَثِيرًا لَّعَلَّكُمْ تُفْلَحُونَ وَأَطِيعُوا الله وَرَسُولَهُ وَلاَ تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ واصبروا إِنَّ الله مَعَ الصابرين} قال في تتمة أضواء البيان: ذكر الله تعالى أربعة أسباب للطمأنينة.
الأولى: الثبات، وقد دل عليها قوله تعالى: {إِنَّ الله يُحِبُّ الذين يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُم بُنْيَانٌ مَّرْصُوصٌ} .
والثانية: ذكر الله كثيرًا، وقد دل عليها قوله تعالى: {أَلاَ بِذِكْرِ الله تَطْمَئِنُّ القلوب} .
والثالثة: طاعة الله ورسوله، ويدل لها قوله تعالى: {فَإِذَآ أُنزِلَتْ سُورَةٌ مُّحْكَمَةٌ وَذُكِرَ فِيهَا القتال رَأَيْتَ الذين فِي قُلُوبِهِمْ مَّرَضٌ يَنظُرُونَ إِلَيْكَ نَظَرَ المغشي عَلَيْهِ مِنَ الموت فأولى لَهُمْ طَاعَةٌ وَقَوْلٌ مَّعْرُوفٌ} .
والرابعة: عدم التنازع والاعتصام والألفة، ويدل عليها قوله تعالى: {واعتصموا بِحَبْلِ الله جَمِيعًا وَلاَ تَفَرَّقُوا} ، حسن الظن بالله تعالى: قال النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا يموتن أحد منكم إلا وهو حسن الظن بالله تعالى» رواه مسلم وقال ابن مسعود رضي الله عنه: والله الذي لا إله إلا هو ما أعطى عبد مؤمن قط شيئًا خير من حسن الظن بالله. والله الذي لا إله إلا هو لا يحسن عبد الظن إلا أعطاه الله ظنه، وذلك أن الخير في يديه.
وقال سفيان بن عيينة: لا يمنعن أحد من الدعاء ما يعلم من نفسه، فإن الله تعالى قد أجاب دعاء شر الخلق إبليس {قَالَ أَنظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ قَالَ إِنَّكَ مِنَ المُنظَرِينَ} قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول الله عز وجل أنا عند ظن عبدي بي وأنا معه حين يذكرني إن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي وإن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ هم خير منهم وإن تقرب مني شبرا تقربت إليه ذراعا وإن تقرب إلي ذراعا تقربت منه باعا وإن أتاني يمشي أتيته هرولة) رواه مسلم
قال النووي في شرحه: قوله عز وجل: {أنا عند ظن عبدي بي} قال القاضي: قيل: معناه بالغفران له إذا استغفر، والقبول إذا تاب، والإجابة إذا دعا، والكفاية إذا طلب الكفاية. وقيل: المراد به الرجاء وتأميل العفو، وهذا أصح.