ولهذا أحبابي الكرام: من الأشياء العجيبة أن آيات الجهاد في القرآن كثيرة جدًا، ربما تصل إلى تسعين آية؛ سورة البقرة فيها آيات جهاد، وسورة آل عمران فيها آيات جهاد، وسورة النساء فيها آيات الجهاد، سورة المائدة فيها آيات الجهاد، سورة الأنفال في الجهاد، سورة التوبة فيها آيات الجهاد، سورة الصف، وسورة القتال وهي سورة محمّد - صلى الله عليه وسلم -.
فهناك آيات كثيرة؛ ثمانون أو تسعون آية عن الجهاد، بينما وردت آية واحدة فقط عن الصيام؛ {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} [1] ، فقط في سورة البقرة، وتجد الأمّة كلّها طبقت آية الصيام، طيب ماذا عن آيات الجهاد؟ الذي قال: {كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ} هو الذي قال: {كُتِبَ عَلَيْكُمُ القِتَال} .
ولهذا أستغرب من بعض الناس؛ تجد عنده جميع العبادات، ليس عنده مشكلة أن يُطبُّق جميع العبادات ويعمل بها، بينما في عبادة الجهاد يلف ويدور ويراوغ كروغان الثعلب.
حتى تسمع بعض الناس يقول:"إن شاء الله لا أترك الحجّ، والله لن أترك الحجّ إلى الموت"، طيب لماذا لا تقول:"والله لن أترك الجهاد إلى أن أُقتل شهيدًا في سبيل الله"؟! فهذه عبادة الحجّ وهذه عبادة جهاد، ما الفرق؟
السرّ كما قال النبي - صلى الله عليه وسلم: (حُبّ الدنيا وكراهية القتل) ؛ فالجهاد فيه قطع رقاب، وفي رواية أخرى: (حبّ الدنيا وكراهية الموت) وفي رواية: (كراهية القتال) .
فلأنّ الحج ليس فيه قتال، وترجع إلى أهلك وزوجتك وأولادك وإلى وظيفتك و (الفيلّا) و (الليكزس) آخر موديل، وترجع سالمًا وغانمًا، أمّا الجهاد ليس فيه رجعة؛ تُيتِّم أطفالك وتُرمِّل زوجتك، وتترك وظيفتك، ويمكن أن يهجّروك ويمكن أن يسحبوا الجنسية، ويمكن أن تصير مطلوبًا، ويضعونك في القائمة السوداء في العالم، الجهاد وراءه متطلَّبات كثيرة، فيقول لك:"يا معوّد فلماذا تأتي لنفسك بالمشاكل؟ الحمد لله، الله معبود في كل مكان .."، فيمشي في ألف طريق ولكن عبادة الجهاد لا.
ولهذا أستغرب من بعض الناس؛ يُسأل عن الجهاد فيبدأ يتكلم، طيب أنت تعرف نفسك راسبًا في عبادة الجهاد، أنت صحيح نجحت في عبادة العلم وأخذت امتيازًا جزاك الله خيرًا؛ تقيم الدورات في كل مكان، لا توجد دولة إلّا وذهبت لها، فمن أجل الدورات الشرعية والمحاضرات والدروس يقول:"مستعد أن أذهب إلى آخر الدنيا من أجل إقامة الدروس الشرعية والمحاضرات"، طيب والجهاد؛ لماذا لا تذهب لآخر الدنيا حتى تقاتل في سبيل الله؟!
(1) سورة البقرة، الآية: 183.