الصفحة 1 من 8

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله معز الإسلام بنصره ومذل الكافرين بقهره ومصرف الأمور بأمره ومستدرج الكافرين بمكره الذي قدر الأيام دولا بعدله وجعل العاقبة للمتقين بفضله والصلاة والسلام على من أعلى الله منار الإسلام بسيفه أما بعد, فان مسالة قتل المسلم نفسه في سبيل نصرة هذا الدين ولتكون كلمة الله هي العليا وهي ما يسمى بالعمليات الاستشهادية قد اختلفت فيها آراء العلماء في هذا الزمان فمنهم من رأى حرمتها لأنهم اعتبروها انتحارا ومنهم من رأى جوازها بل واستحبابها لأنها من بيع النفس لله الكريم ولأنها من أعظم ما ينكل في أعداء الله تعالى ويثخن فيهم وسنعرض في هذه الكلمة لأدلة الفريقين بعون الله تعالى .

فالفريق الأول القائل بتحريمها اعتبرها من باب الانتحار المحرم فقاسوا المجاهد الذي ينزل في سيارة مليئة بالمتفجرات ويفجرها بنفسه بين أولياء الشيطان على الذي يلقي نفسه من شاهق أو يحتسي سما فيموت وقالوا هذا الثاني قتل نفسه بنفسه وكذلك الأول والجواب عليه أن نقول هذا قياس مع فارق فان علماء الأصول قد عرفوا القياس بأنه إلحاق فرع بأصل في حكم شرعي لعلة جامعة بينهما .فعلة قتل المجاهد نفسه في عملية استشهادية لتكون كلمة الله هي العليا وليكون الدين كله لله ولينكي في أعداء الله وهو يقبل على هذا العمل الجليل بنفس مطمئنة ترجو ما عند الله من الثواب العظيم والأجر الجزيل بينما علة قتل الثاني نفسه هي اليأس من رحمة الله وفرجه وجزعا وتسخطا والعياذ بالله تعالى, فمن قاس الأول على الثاني فقد أبعد النجعة وأفسد القياس ولم يع مراد الأصوليين من تعريف القياس ولم يفرق بين العلة والصفة فظن أن كلا الأمرين انتحارا لأنه فيه باشر القتل بنفسه وغاب عنه أن العلة التي دفعت المنتحر إلى ازهاق روحه هي اليأس من رحمة الله والاعتراض على قدره وهذا بخلاف ما تقدم بيانه من علة بذل المجاهد نفسه في سبيل الله تعالى

وأما الدليل الثاني فقد استدلوا بقول ربنا جل في علوه (ولا تقتلوا أنفسكم إن الله كان بكم رحيما, ومن يفعل ذلك عدوانا وظلما فسوف نصليه نارا وكان ذلك على الله يسيرا) فقالوا إن الذي يفجر نفسه في هذه العمليات هو قاتل لنفسه فأجاب العلماء الذين يرون مشروعيتها بأن هاتين الآيتين الكريمتين دلتا بمنطوقهما على نوع من أنواع القتل وبمفهومهما على نوع آخر يختلف حكمه ومصير فاعله فالأول منهما وهو ما كان من باب العدوان والظلم كقتل الإنسان غيره بغير حق وكقتل الإنسان نفسه انتحارا ويأسا من رحمة الله وهذا الأخير هو الذي دلت الأحاديث الكريمة على تحريمه تحريما أكيدا وتوعد فاعله بالعقاب والعذاب الأليم وأما الثاني فهو ما دل النص بمفهومه على جوازه فإن مفهوم المخالفة في الآيتين الكريمتين قد دل غلى أن من قتل نفسه لا عدوانا ولا ظلما وإنما رغبة فيما عند الله تعالى ورهبة مما عنده وجهادا في سبيله فإنه محمود المآل حسن العاقبة بل هو من الذين قال الله تعالى فيهم (ومن الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضات والله رؤوف بالعباد) ولا شك أن المجاهد الذي يقوم بعملية استشهادية داخل في هذا المفهوم , قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: فينبغي للمؤمن أن يفرق بين ما نهى الله تعالى عنه من قصد الإنسان قتل نفسه وتسببه في ذلك وبين ما شرعه من بيع المؤمنين أنفسهم له كما قال الله تعالى (ومن الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضات الله والله رؤوف بالعباد) ولكن للمخالف أن يقول إن هذا القيد أغلبي - وهو (عدوانا وظلما) - والقيد الأغلبي لا مفهوم له كما يقول الأصوليون فهو إذًا صفة كاشفة ويكون معنى الآية على الرأي أنه ما من إنسان يقتل نفسه إلا وهو يفعل هذا في الغالب من باب العدوان والظلم والجواب أن نقول: الأصل عند جمهور الأصوليين القائلين بحجية مفهوم المخالفة هو اعتبار القيد وأنه معمول به وينعكس الحكم عند زوال هذا القيد ولا يترك الأصل إلا بقرينة ودليل ولا دليل هنا ومما يدل على اعتبار القيد في هذه الآية الكريمة قول المهلب ردا على من منع من اختيار القتل في حالة الاكراه على قول الكفر أو القتل استدلالا بهذه الآية الكريمة (ولا تقتلوا أنفسكم إن الله كان بكم رحيما) فقال رحمه الله ولا حجة فيه لأنه قال تلو الآية المذكورة (ومن يفعل ذلك عدوانا وظلما) فقيده بذالك وليس من أهلك نفسه في طاعة الله ظالما ولا متعديا وقد أجمعوا على جواز تقحم المهالك في الجهاد انتهى كلامه رحمه الله تعالى, نقله الحافظ بن حجر في الفتح عند شرح حديث (ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان) الحديث من كتاب الاكراه م12 ,وممن احتج بهذا القيد معتبرًا له الامام القرطبي في تفسيره فقال (والعدوان تجاوز الحد والظلم وضع الشيء في غير موضعه وقيد الوعيد بذكر العدوان والظلم ليخرج منه فعل السهو والخطأ) انتهى مختصرًا ,وممن اعتبره ايضًا الامام الشوكاني فقال عند تفسير هذه الآية: وخرج بقيد العدوان والظلم ما كان من القتل بحق كالقصاص وقتل المرتد وسائر الحدود الشرعية وكذلك قتل الخطأ انتهى ومنهم ايضًا الشيخ السعدي في تفسيره ,ولما سئل الشيخ العلامة محمد الحسن ولد الددو الشنقيطي حفظه الله تعالى عن حكم العمليات الاستشهادية التي يقوم بها المجاهدون في فلسطين قال: والله سبحانه وتعالى إنما حرم قتل النفس إذا كان ظلما وعدوانا قال الله تعالى (ولا تقتلوا أنفسكم إن الله كان بكم رحيما, ومن يفعل ذلك عدوانا وظلما فسوف نصليه نارا وكان ذلك على الله يسيرا) ومفهوم العلة هنا أن من فعل ذلك إيمانا واحتسابا وجهاد في سبيل الله فإنه يستحق الجنة لأن هذا مفهوم العلة والحكم يدور مع العلة حيث دارت انتهى . برنامج الشريعة والحياة حلقة 21/4 /2002 بعنوان الانتفاضة وواجب المسلمين اتجاه الفلسطينيين انتهى بتصرف من رسالة للشيخ أبي الحسنات الدمشقي حفظه الله تعالى. وأما قول الشيخ ابي بصير حفظه الله تعالى

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت