الصفحة 18 من 239

فهذا سبب النزاع بين الأنبياء وبين قومهم، ولذلك قال تعالى { ولئن سألتهم من خلق السموات والأرض ليقولن خلقهن العزيز العليم } وقد كانت أول كلمة يدعو الرسول إليها { اعبدوا الله ما لكم من إله غيره } ولم يدعهم إلى اعتقاد أن الله الرب الخالق الرازق المحيي المميت لاستقرار ذلك في نفوسهم، ولو أرسل الله الرسل لتعليم قومهم وجود الله ووحدانيته في الخلق والرزق والإيجاد لم يحصل اختلاف بين الأنبياء وأقوامهم بتاتًا لاتفاقهم على ذلك بالضرورة الفطرية.

غير أن القرآن يلزم المشركين بما أقروا به من وحدانية الخالق كدليل على وحدانية المعبود سبحانه، بمعنى فإن اعتقدتم أن الله هو الخالق وأن ما سواه مخلوقون فلماذا لا تتوجهون إلى معبود واحد هو الخالق نفسه؟

وتأمل قوله تعالى { أمنّ خلق السموات والأرض وأنزل لكم من السماء ماء فأنبتنا به حدائق ذات بهجة ما كان لكم أن تنبتوا شجرها، أإله مع الله } فالله يذكر المشركين بما يعترفون به - من أنه خلق السماوات والأرض - ليصل بهم إلى ما ضلوا عنه وهو إفراده وحده بالعبادة والكفر بأصنام لا تنفع ولا تضر - ولهذا ختم الآية بقوله { ْإله مع الله } أي تعترفون أنه الخالق وحده وتشركون معه من لا يخلق شيئًا ولا يملك لنفسه نفعًا ولا ضرًا؟!

وقوله { يا أيها الناس اذكروا نعمة الله عليكم هل من خالق غير الله يرزقكم من السماء والأرض لا إله إلا هو فأنى تؤفكون } (فاطر4) فهو يذكرهم بواحدنيته في الخلق ثم تنتهي الآية بتقرير وحدانيته في العبادة لا إله إلا هو.

إعراض عن الله وليس إنكارًا

إن الإلحاد الذي يعم الغرب إنما هو في الحقيقة إعراض عن الله تحدث الله عنه { وإذ أنعمنا على الإنسان أعرض ونأى بجانبه وإذا مسه الشر فذو دعاء عريض } (فصلت51) { والذين كفروا عما أنذروا معرضون } (الأحقاف46) { اقترب للناس حسابهم وهم في غفلة معرضون } (الأنبياء1)

وهؤلاء ينسون إلحادهم إذا وقعوا في مأزق وشدة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت