فإذا فهمنا هذه الحقيقة نجونا من التأويلات والأوهام التي وقع فيها كثيرون ممن خاضوا في صفات الله حتى انتهى بهم خوضهم إلى الحيرة وبآخرين إلى التحريف ووصفوا الله بصفات النقص ظنًا منهم أنها الدواء من أوهام التشبيه، وإنما يصف الله نفسه بصفات الكمال.
أما من رغب عما وصف به نفسه وآثر طريق التأويلات والظنيات: فسيصف ربه بصفات النقص كما قال بعضهم ان الله»ليس بذي طول ولا عرض وليس من المطعومات ولا من المشروبات ولا يستوي ولا ينزل ولا يشار إليه، وأنه ليس فوق ولا تحت ولا داخل العالم ولا خارجه« فهذا من صفات العدم.
* وهذه الطريقة السلبية التي تبدأ دائمًا بـ (ليس) تخالف المنهج القرآني الذي يذكر ما يليق بالله من الصفات الإيجابية بالتفصيل ولا يأتي على صفات السلب إلا بشكل مجمل ومقترن في نفس الوقت مع صفات الإيجاب المفصلة كقوله { ليس كمثله شيء وهو السميع البصير } فابتدأ بالسلب { ليس كمثله شيء } ردًا على الذين يشبهونه بخلقه، وانتهى بالإيجاب { وهو السميع البصير } ردًا على الذين ينفون ما وصف به نفسه بحجة الهروب من التشبيه.
* والصفات السلبية إذا تجردت عن الصفات الإيجابية فلا تثبت مدحًا ولا ثناءً، والله يصف نفسه بما يستوجب مدحه والثناء عليه، كما قال - صلى الله عليه وسلم - » لا أحصي ثناءً عليك أنت كما أثنيت على نفسك« [1] فلو أنك وصفت ملكًا من الملوك بأنه ليس جاهلًا ولا غبيًا لآمر بمعاقبتك مع أنك ما تقصد إلا تنزيهه عن النقائص، إن هذا التنزيه المزعوم تنقيص في صورة تنزيه أخطأ من استعمله في حق الله جل وعلا.
(1) رواه الترمزي (3561) وأبو داود (1427) وهو صحيح.