فهرس الكتاب

الصفحة 141 من 922

وروينا عن وهب بن منبه وغيره أنّ عابدًا دعا بعض إخوانه فقرّب إليه رغيفان فجعل أخوه يقلب بعض الأرغفة ليختار أجودها، فقال له العابد: من أي شيء تصنع؟ أما علمت أنّ هذا الرغيف الذي رغبت عنه ولم تقنع به قد عمل فيه كذا وكذا صانع، وظهرت فيه كذا وكذا صنعة؛ منها السحاب الذي يحمل الماء، والماء الذي يسقي الأرض، والأرض التي أنبتتت، والرياح، والبهائم، وبنو آدم حتى صار إليك، ثم أنت بعد هذا تقلبه لا ترضى به؟

وقال الآخر زيادة في الخبر: إنّ الرغيف لا يستدير فيوضع بين يديك حتى يعمل فيه ثلاثمائة وستون صانعًا وصنعة؛ أولهم ميكائيل الذي يكيل الماء من خزائن الرحمة، ثم الملائكة التي تزجر السحاب والشمس القمر والأفلاك وملكوت الهواء ودواب الأرض، وآخر ذلك الخباز، {وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَةَ اللَّهِ لاَ تُحْصُوهَا} إبراهيم: 34.

والخبر المشهور: ما ملأ ابن آدم وعاء شرًّا من بطن فدل أنّ ما نقص من ملء البطن فذلك خير، ثم قال: حسب ابن آدم لقيمات يشددن صلبه، ففي قوله: لقيمات معنيان؛ التقلل والتصغير، لأن التاء تدخل للجمع القليل وهو ما دون العشرة من العدد، والمعنى الآخر هو التصغير لأن لقيمة تصغير لقمة، ثم قال: فإن لم يفعل فثلث طعام وثلث شراب وثلث للنفس، وفي لفظ آخر: وثلث للذكر، فدل أيضًا أنّ ملء البطن يمنع من الذكر وما منع من الذكر فهو شرّ، قال اللّه سبحانه وتعالى: {وَاللَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقَى} طه: 73، وقال: {وَالآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى} الأعلى: 17 ومعنى قوله صلى الله عليه وسلم: ثلث طعام أن يأكل شبعه المعتاد فيصير ثلث الشبع قوام الجسد باعتياد ثان، كما كان ملء البطن من الشبع هو العادة الأولى، وثلث الشبع هو ثمان أواق؛ فهذا على معنى الخبر الآخر: طعام الواحد يكفي الاثنين وطعام الانين يكفي الأربعة، ففي هذا خمسة أوجه.

قال بعض علمائنا البصريين: طعام الواحد شبعًا يكفي الاثنين قوتًا، وطعام الاثنين شبعًا يكفي الأربعة قوتًا، ومنهم من قال: طعام المسلم يكفي مؤمنين، وطعام مسلمين يكفي أربعة من خصوص المؤمنين، ويجوز أيضًا أن يكون طعام الواحد من المنافقين يكفي مسلمين على معنى قوله: المؤمن يأكل في مِعًى واحد والمنافق في سبعة أمعاء، ويصلح أن يكون معناه طعام الواحد من الصناع المتصرفين في المعايش يكفي اثنين ممن هو قاعد لا يتصرف، ويصلح أيضًا طعام الواحد من المفطرين يكفي طعام صائمين من الخصوص، وفي خبر عمر رضي اللّه عنه حين قال لابن مسعود وأبي موسى في قصة المرتد الذي قتلاه قبل أن يستتيباه ويحكما: ألا طينتم عليه بيتًا وألقيتم إليه كل يوم رغيفًا ثلاثة أيام، فلعله أن يتوب ويرجع إلى الإسلام، اللهم إني لم آمر ولم أعلم ولم أرض إذ بلغني فدل هذا أنّ في كل رغيف كفاية يوم وثلاثة أرغفة عندنا بالحجاز رطل، لأن الرطل المكي عدد ستة أقراص مذ ذاك إلى يومنا، هذا فيكون كل رغيف ثمان أواق؛ فهذا كما قلناه: إنّ ثمانيَ أواق ثلث الشبع لقوله ثلث طعام بعد قوله لقيمات جمع لما دون العشرة، وهذا مواطئ لما روي عن عمر رضي اللّه عنه أنه كان يأكل سبع لقم، وحدثونا في أخبار الخلفاء أنّ الرشيد جمع أطباء: هندي، ورومي، وعراقي، وسوادي، فقال لهم: ليصف كل واحد منكم الدواء الذي لا داء فيه، فقال الهندي: الدواء الذي لا داء فيه عندي هو الاهليلج الأسود، وقال الرومي: الدواء الذي لا داء فيه حبّ الرشاد الأبيض، وقال العراقي: الدواء الذي لا داء فيه الماء الحار، فقال السوادي، وكان أعلمهم: إنّ الاهليلج يعفص المعدة وهذا داء، وإنّ حبّ الرشاد يرق المعدة وهذا داء، وإنّ الماء الحار يرخي المعدة وهذا داء، قالوا: فما عندك؟ قال: الدواء الذي لا داء فيه أن لا تأكل الطعام حتى تشتهيه وترفع يدك عنه وأنت تشتهيه، فقالوا: صدق.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت