وقال في الوصف الثالث: {وَتَوَاصَوْاْ بِالْمَرْحَمَةِ} البلد: 17 واتباع الحق بمخالفة الهوى فيه الصلاح، إذ في موافقة الهوى الفساد، والصبر قوام الأمر، وبمقداره يكون الربح والرحمة للخلق باب الرحمة من الخالق ومفتاح حسن الخلق ومعها حسن الظن وسلامة القلب وعندها ينتفي الحسد والغل ويوجد التواضع والذل، وهذا وصف أصحاب رسول اللّه صلى الله عليه وسلم الذين اختارهم لصحبة نبيه عليه السلام وأنزل عليهم السكينة وأيدهم بروح منه فقال: {رُحَمَآءُ بَيْنَهُمْ} الفتح:29 وقال تعالى في حقيقة الرحمة: {وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ} الإسراء:24 وقال في مثله عن وصف أحبابه لإخوانهم: (أذلة على المؤمنين) ، فهذه الثلاثة مفاتيح رقة القلب ومغالق القسوة وفي الرقة الإقبال على اللَّه عزّ وجلّ وعلى الدار الآخرة والتيقظ لأمره والتفكّر في وعده ووعيده وفي القسوة الإعراض وطول الغفلة فمحاسبة النفس تكون بالورع وموزنتها تكون بمشاهدة عين اليقين والتزين للعرض الأكبر يكون بمخافة الملك الأكبر وهو حقيقة الزهد.
وروينا عن علي رضي اللَّه عنه: أما بعد فإن المرء يسره درك ما لم يكن ليفوته ويسوءه فوت ما لم يكن ليدركه، فمانا لك من دنياك فلا تكترث به فرحاً وما فاتك منها فلا تتبعه نفسك أسفاً وليكن سرورك بما قدمت وأسفك على ماخلفت وشغلك لآخرتك وهمك فيما بعد الموت، وقال أيضاً: الهوى شريك العمى، ومن التوفيق الوقوف عند الحيرة ونعم طارد الهم اليقين وعاقبة الكذب الذم وفي الصدق السلامة، رب بعيد أقرب من قريب وغريب من لم يكن له حبيب والصديق من صدق غيبه ولايعدمك من حبيب سوء الظن، نعم الخلق التكرم والحياء سبب إلى كل جميل وأوثق العرى التقوى وأوثق سبب أخذت به نفسك سبب بينك وبين اللَّه عزّ وجلّ إنما لك من دنياك ما أصلحت به مثواك والرزق رزقان، رزق تطلبه ورزق يطلبك، فإن لم تأته أتاك وإن كنت جازعاً على ما أتلفت من يديك فلا تجْزَعَنَّ على ما لم يصل إليك واستدلل على ما لم يكن بما كان فإن الأمور أشباه، وقال عبد اللَّه بن عباس: لكل شيء آفة وآفة العلم النسيان وآفة العبادة الكسل وآفة اللب العجب وآفة الظرف الصلف وآفة التجارة الكذب وآفة السخاء التبذير، وآفة الجمال الخيلاء وآفة الدين الرياء وآفة الإسلام الهوى، وقال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم: آفة أمتي الدينار والدرهم، وروينا عن وبرة السلمي عن مجاهد قال: أوصاني ابن عباس بخمس لهن أحسن من الدرهم الموقوف ومن الذهب الموصوف قال: لا تتكلمن فيما لا يعنيك فإنه أقرب لك من السلامة ولا آمن عليك الخطأ ولا تتكلمن فيما يعنيك حتى ترى له موضعاً، فربّ متكلم فيما يعنيه قد وضعه في غير موضعه فلقي عنتاً، ولا تمارين حليماً ولا سفيهاً أما الحليم فيقليك وأما السفيه فيؤذيك، واخلف أخاك إذا غاب عنك بمثل ما تحب أن يخلفك به إذا غبت عنه واعفه مما تحب أن يعفيك منه واعمل بعمل رجل يعلم أنه مكافأ بالإحسان مأخوذ بالإساءة، وفي وصية العباس لابنه عبد اللَّه قال: يا بني إني أرى هذا الرجل يقدمك على الأشياخ ويكرمك فاحفظ عني هذه الخصال لا تفشين له سرّاً ولا تعصين له أمراً ولاتغتابنّ عنده أحداً ولا يطلعن منك على خيانة ولا يجربن عليك كذبة، هذا في روايتين دخلت إحداهما في الأخرى قال في إحداهما: قلت للشعبي: كل واحدة منهن خير من ألف، فقال كل واحدة منهن خير من عشرة آلاف، وقال يوسف بن أسباط: كان يقال ثلاث من كنّ فيه فقد استكمل إيمانه من إذا رضي لم يخرج رضاه إلى باطل وإذا غضب لم يخرج غضبه عن حق وإذا قدر لم يأخذ ماليس له، وقد روينا مسنداً من طريق، وقال سري بن المغلس: ثلاث يستبين بهن اليقين، القيام بالحق في مواطن الهلكة، والتسليم لأمر اللَّه عزّ وجلّ عند نزول البلاء، والرضا بالقضاء عند زوال النعمة نعوذ باللَّه منه، وقد روينا عن النبي صلى الله عليه وسلم ثلاث من كنّ فيه استكمل إيمانه لا يخاف في اللَّه لومة لائم ولا يرائي بشيء من عمله، وإذا عرض عليه أمران: أحدهما للدنيا والآخر للآخرة آثر الآخرة على الدنيا.
وفي الخبر المشهور ثلاث منجيات وثلاث مهلكات، فأما المنجيات فخشية اللَّه في السر والعلانية وكلمة العدل في الرضا والغضب والقصد في الغنى والفقر وأما المهلكات فشح مطاع وهوى متبع وإعجاب المرء بنفسه، وروينا في الخبر التكرم التقوى والشرف التواضع والغنى اليقين، وفي الحديث الآخر: الإيمان عريان ولباسه التقوى وزينته الحياء وثمرته العلم، وفي حديث عمار أسنده إلى رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم كفى بالموت واعظاً وكفى بالخشية علماً وكفى باليقين غنى وكفى بالعبادة شغلاً.