فهرس الكتاب

الصفحة 715 من 922

وروينا عنه في حديث مجمل أن رجلاً سأله فقال: يا رسول اللّه متى أعلم أني من أهل الجنة، وفي لفظ آخر أني مؤمن حقاً، فقال: إذا كنت بهذه الأوصاف، ثم تلا عليه: قد أفلح المؤمنون الذين هم في صلاتهم إلى آخر النعوت، وروينا عنه صلى الله عليه وسلم في الوصف الجامع المختصر كوصف الحكيم الأكبر من صلح له من عباده بالإخلاص في التوحيد والعمل فقال صلى الله عليه وسلم: لو لم تنزل عليّ إلا هذه الآية كانت تكفي، ثم قرأ آخر سورة الكهف {فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَآءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً} الكهف 110 إلى آخرها، فكان هذا فصل الخطاب وبلاغاً لأولي الألباب فالعمل الصالح الإخلاص في العبادة ونفي الشرك بالخلق هو اليقين بتوحيد الخالق، وقد قال اللّه وهو أحسن القائلين في وصف أوليائه الخائفين: {إِنَّ الَّذِينَ هُم مِّنْ خَشْيةِ رَبِّهِمْ مُّشْفِقُونَ} {وَالَّذِينَ هُم بِآيَاتِ رَبَّهِمْ يُؤْمِنُونَ} المؤمنون:57 - 58 إلى قوله: {وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ} المؤمنون:16، فوصفهم بسبع مقامات جامعات بالغات تنتظم بمقامات أهل المحاسبة وتستحوذ على معاني أحوال أهل المراقبة افتتحها بالخشية والإشفاق وختمها بالوجل والإنفاق وجعل موجبها اليقين وهو الذي رجحت به موازين المتقين صيره آخر وصفهم ونهاية نعتهم وهو قوله تعالى: {أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ} المؤمنون:60 أي لأجل يقينهم بمرجعهم إليه خافوه وأشفقوا وآمنوا به وأخلصوا وآتوه نفوسهم وأموالهم فهذا كقوله في الكلام المختصر: {وَاتَّقُواْ اللَّهَ وَاعْلَمُواْ أَنَّكُمْ مُّلاَقُوهُ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ} البقرة:223 فللخائفين الأمن من الخوف عند اللقاء وحسن المنقلب والبشرى بالقرب لديه والزلفى، فصورة المحاسبة أن يقف العبد وقفة عند ظهور الهمة وابتداء الحركة ثم يميز الخاطر وهو حركة القلب والاضطراب وهو تصرف الجسم فإن كان ما خطر به الخاطر من الهمة التي تقتضي نية أو عقداً أو عزماً أو فعلاً أو سعياً إن كان عزّ وجلّ وبه وفيه معنى عزّ وجلّ أي خالصاً لأجله ومعنى به أي بمشاهدة قربه لا بمقاربة نفسه وهواه ومعنى فيه أي في سبيله وطلب رضاه عنه وما ندب عنده أمضاه وسارع في تنفيذه وإن كان لعاجل دنيا أو عارض هوى أو لهو وغفلة سرى بطبع البشرية ووصف الجبلية نفاه وسارع في نفيه ولم يمكن الخاطر من قلبه بالإصغاء إليه والمحادثة له فيولد فيه هماً ردياً يصعب عليه بعد حين طرحه وينتج منه فكراً دنيّاِ يعسر بعد وقت نفيه ويؤثر ذلك في قلبه أثراً يستبين له بعد حين فعله، معنى قولنا: إن كان لله تعالى أي خالصاً لأجله ومعنى قولنا به أي بمشاهدة قربه لا بمقارنة نفسه ووصفه وهواه ومعنى قولنا فيه أي في سبيله وطلب ما عنده لا لأجل عاجل حظه فإن اشتبه عليه الخاطر فلم ينكشف له ما ورد به أمحمود هو اللّه عزّ وجلّ فيه رضاه وعلى العبد فيه سبق وتنفيذ أم مكروه وليس للّه فيه محبة وللعبد في نفيه مزيد وقربة فيكون أشكال ذلك لأحد معان ثلاث؛ ضعف يقين عن نقص معرفة بالمبتلي، أو قلة علم عن جهل بغامض الحكم الباطل، أو لغلبة هوى كامن في النفس متولد من طبائع الحس، وقد قال بعض العلماء: ليس العالم الذي يعرف الخير من الشر هذا العاقل يعرفه ولكن العالم من يعرف خير الشرين يعني يفعله إذا اضطر إليه وعرف شر الخيرين يعني فاجتنبه لما يؤول إليه واعلم أن حكم اللّه فيما اشتبه من الأمور الإمساك والوقوف وأن لا يقدم العبد على ذلك بعقد ولا عزم إن كان من أعمال القلوب ولا يمضي ذلك بفعل ولا سعي إن كان من عمل الجوارح بل يقف ويوقف الأمر حتى يتبين له وهو صورة الورع لأن الورع هو الجبن والتأخر عن الإقدام على المشكلات وعن الهجوم في الشبهات لا بقول ولا بفعل ولا بعقد حتى تنكشف وانكشافها بغامض العلم لغموضها وتدقيق معرفة المعاني لدقتها وخفائها كما جاء في الخبر: أعلم الناس أعرفهم بالحق إذا اختلف الناس، وعن النبي صلى الله عليه وسلم: إن اللّه عزّ وجلّ يحب البصير الناقد عند ورود الشبهات والعقل الكامل عند هجوم الشهوات.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت