فهرس الكتاب

الصفحة 720 من 922

{إِلاَّ عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ} الحجر:40 وهذا مقتضى كلمة الإخلاص من نفي ما سواه وهي لا إله إلا اللّه وليس بعده إلا الإشفاق إلى وقت التلاق أي قد عملته بعلم فلمن عملته لوجه اللّه عزّ وجلّ خالصاً فأجرك عليه أم لشخص مثلك فخذ أجرك منه أم عملته لتناول عاجل دنياك فقد وفينا إليك عملك فيها أم عملته لنفسك بسهولة وغفلتك فقد سقط أجرك وحبط عملك لذهابك عن القصد وعدم النية في الفعل فجميع ماأردت به سواه فقد تعرضت للمقت واستوجبت العقاب بترك ما عليك وجهل ما لمولاك إذ كنت عبداً لي تتولى غيري وإذا أنت تأكل رزقي وتعمل لسواي وإذا كان الدين قد جعلته لنفسي فقصدت به من دوني ويلك أما سمعتني أقول ألا للّه الدين الخالص ويلك ما قبلت أمري إذ قلت وما أمروا إلا ليعبدوا اللّه مخلصين له الدين حنفاء ويقول له: ويلك أما سمعتني أقول (إن الذين تعبدون من دون اللّه لا يملكون لكم رزقاً فابتغوا عند اللّه الرزق واعبدوه) .

فهذه أمثال القرآن يشهد منها العلماء أمثالهم وهي إذا كان الخطاب عند تدبره يفهم بها العارفون أذكارهم فيكون توبيخ اللّه عزّ وحلّ للغافلين بعزائم كلامه وغليظ خطابه أشد عليهم وأوجع لهم من أليم عقابه، وذلك أن اللّه تعالى استخلص الدين لنفسه ولم يشرك فيه أحداً من خلقه فقال: {أَلاَ لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ} الزمر:3 يعني الطريق الموحد غير المشترك الصافي غير الكدر لأن الإخلاص التصفية من أكدار الهوى والشهوة وضده الشرك وهو الخلط بغيره من النفس والناس كما أنعم علينا بالرزق الخالص من بين الفرث والدم فتمت به النعمة فقال: {نُسْقِيكُمْ مِّمَّا فِي بُطُونِهِ مِن بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَّبَناً خَالِصاً} النحل:66 فلو وجد فيه خلط من أحدهما لم تتم به النعمة علينا، فكذلك ينبغي أن يكون عملنا له خالصاً من الهوى والشهوة لنستحق به الأجر والحظوة منه مع القيام بواجب الحق علينا فكما أنّا لو رأينا في اللبن الذي أنعم به علينا فرثاً أو دماً عافته أنفسنا فلم نأكله فكذلك الحكيم الخبير إذا رأى في عملنا خلطاً من رياء أو شهوة رده علينا فلم يقبله وكما عمل لنا مما عملت يده بقدرته أنعاماً ذللها لنا منها ركوبنا ومأكلنا فينبغي أن نشكره فنعمل له بعد الأكل عملاً صالحاً كما أمرنا بعد إذ أنعم اللّه علينا، فقال: {كُلُواْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُواْ صَالِحاً} المؤمنون:51 فمن جهل ما جعل اللّه لنفسه وترك ماأمر به من الإخلاص بالدين لوجهه استوجب المقت لجهله واستحق العقاب لمخالفته وفي تدبر ماقلناه الهرب من الخلق والبكاء على النفس إلى لقاء الحق لمن أشهد ووقف وأريد بالحضور فلم يصرف.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت