{هُنَّ لِبَاسٌ لَّكُمْ} البقرة: 187، فجعلهن في معنى الملبوس ورفع فيهن إلى الأربع وفي قوله تعالى: {فَانكِحُواْ مَا طَابَ لَكُمْ مِّنَ النِّسَآءِ} النساء: 3، ثم ابتدأ فنص على مثنى ولم يقل: إحدى على الندب والاستحباب للجمع بين اثنين، وإنّ العدل قد يوجد ويقدر عليه معهما، ثم رد إلى الواحدة لمن خاف الجور فيهن فقال تعالى: {فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تَعْدِلُواْ فَوَاحِدَةً} النساء: 3، ففي دليل الخطاب اشتراط العدل في الأربع، ثم ذكره بقوله: {ذلِكَ أَدْنَى أَلاَّ تَعُولُواْ} النساء: 3، يعني أقرب أن لا تجوروا، وقد قال بعض الفقهاء من أهل الحجاز واللغة: لا تعولوا، أي لا تكثر عيالكم، والأول أحب إليّ، لأنه أشبه بالقرآن كأنه عطف على النص لما قال: أنْ لا تعولوا، قال: ذلك أدنى أنْ لا تجوروا، والأول أحب إليّ، ويصلح هذا الوجه أيضًا في اللغة من قال: عال يعول، بمعنى أعال يعيل، وأكثر العرب فرقت بين ذلك يقولون: عال يعول إذا جار، وأعال يعيل من العيلة إذا كثر عياله، وشاذ نادر من يجعلها لغتين بمعنى فليتوخّ العدل بين أزواجه، من جمع بينهن في النفقة والكسوة والمبيت، ولا يحيف على بعض فيقصر عن كفايتها وواجبها في ذلك.
فقد جاء في الحديث: من كانت له امرأتان فمال إلى إحداهما دون الأخرى، وفي لفظ آخر، فلم يعدل بينهما، جاء يوم القيامة وأحد شقيه مائل ولا عدل عليه في المحبة والجماع، لأن ذلك لا يملك إذاً سوى بين البيتوتة، ولا عليه أيضاً أنْ يجامع من بات عندها إنما عليه المبيت ليلة وليلة وفي تفسير قوله تعالى: {وَلَن تَسْتَطِيعُواْ أَن تَعْدِلُواْ بَيْنَ النِّسَآءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ} النساء: 129، قال: لا تقدروا على العدل بينهن في الحب والجماع، لأن ذلك فعل الله عزّ وجلّ في القلوب وفي شهوة النفس، وروينا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه كان يقسم بين نسائه في العطاء والمبيت، وكان يقول: اللّهم هذا جهدي فيما أملك ولا طاقة لي فيما تملك ولا أملك، يعني في المحبة والجماع، فقد كان يحب بعضهن أكثر من بعض وكانت عائشة رضي اللّه عنها أحبهن، وكان يطاف به محمولاً في مرضه في كل يوم وليلة فيقول: أين أنا غدًا ففطنت امرأة منهن فقالت: إنما يسأل عن يوم عائشة رضي اللّه عنها فقلن: يا رسول اللّه إنّه ليشق عليك أنْ تحمل، فقد أذنا لك أنْ تكون في بيت عائشة رضي اللّه عنها فقال: قد رضيتن بذلك قلن: نعم قال: فحولوني إلى بيت عائشة، فلذلك كانت تقول: قبض في بيتي وبين سحري ونحري تفتخر بذلك، ثم قال اللّه تعالى عزّ وجلّ: {فَلاَ تَمِيلُواْ كُلَّ الْمَيْلِ} النساء: 129 يعني على واحدة دون الأخرى في التقصير والنفقة فتذروها كالمعلقة أي موقوفة غير مستقرة، كأنها لا ذات زوج ولا مطلقة، أي لا أيم فتتحمل لنفسها ولا ذات زوج ينفق عليها فتستغني بزوجها.