وقد روي في الخبر: أنّ من أهل النار الضعيف الذي لا دين له، هو فيكم تبع، لا يبغون أهلاً ولا مالاً، قيل: هم السؤال المنهومون في المسألة، الذي همه بطنه لا يبالي كيف طلب ولا على أي حال من الفحش تقلب، فمن لم يشغله أهله وماله عن اللّه عزّ وجلّ كان أفضل ممن لا أهل له ولا ولد، فهو عبد بطنه وفرجه، أسير هواه وشهوته، وقد أخبر اللّه تعالى أنّ للمؤمنين أموالاً وأولاداً، ثم أمرهم أن لا يشغلهم ذلك عن اللّه عزّ وجلّ، وقد وصف أقواماً بأن بيعهم وتجارتهم لا تشغلهم عن عبادته، وأنهم أهل خوف من يوم تنقلب فيه القلوب والأبصار، وقد مدح قومًا فسألوه الأزواج والذرية، وجعل ذلك في وصفهم في قوله عزّ وجلّ: {يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ} الفرقان: 74، وقرّة أعين لا يشغل ولا يحجب عن قرّة العين بل يكشف عنه ويقرب منه، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: حبّب إليّ من دنياكم ثلاث، الطيب، والنساء، وجعل قرّة عيني في الصلاة، وقد كان أبو سليمان يقول: إنما تركوا التزويج لتتفرغ قلوبهم لذكره، وروينا عن ابن أبي الحواري الحديث الذي رواه عن حبيش عن الحسن: إذا أراد اللّه بعبد خيراً لم يشغله بأهل ولا مال، قال أحمد رضي اللّه عنه: فناظرنا في الحديث جماعة من العلماء، وإذًا ليس معناه أنه لا يكون له امرأة ولا ولد ولكن يكونون له ولا يشغلونه، وإنما يحسّ النكاح بمشغول الهمّ عن الفكر، فيه ذي نفس مطمئنة وعين خاشعة لرب ذي سكينة وقلب ذي خشية، كما حدثونا عن داود الطائي أنه قال: منذ خمسين سنة ما خالط ذكري ريح، وقيل لبعضهم: هل دخل ذكرك ريح بشهوة؟ فقال: أما منذ قرأت القرآن فلا، وقال بعض العلماء: منذ عشرين سنة ما وقع نظري على فرجي قاما بطال ذو نفس أمارة ونظرة ثاقبة وشهوة قوية، فالنكاح من أحسن أعماله وأرفع أحواله، لأنّ المباح مقام من لا مقام له، فإن عزم العبد على النكاح فلا يكون همه من النساء إلاّ ذات دين وصلاح، والعقل والقناعة فليس تخلص له النيّات التي ذكرناها آنفاً إلاّ على هذه القواعد، قال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم: تنكح المرأة لمالها وجمالها وحسنها ودينها فعليك بذات الدين، وفي لفظ آخر: من نكح المرأة لمالها وجمالها حرم مالها وجمالها، ومن نكحها لدينها رزقه اللّه عزّ وجلّ مالها وجمالها، وروينا أيضًا: لا تنكحوا المرأة لجمالها فلعل جمالها يرديها، ولا لمالها فلعل مالها يطغيها، وانكحوا المرأة لدينها فنكاح المرأة للدين والصلاح طريق من الآخرة، والرغبة في المرأة الناقصة الخلق الدنيئة الصورة الكبيرة السن، السن باب من الزهد، وقد كان أبو سليمان يقول: الزهد في كل شيء حتى يتزوّج الرجل العجوز أو غير ذات الهيئة إيثارًا للزهد في الدنيا، وكان مالك بن دينار يقول: يترك أحدهم أن يتزوّج يتيمة فيؤجر فيها إنْ أطعمها وكساها تكون خفيفة المؤونة ترضى باليسير ويتزوّج بنت فلان وفلان، يعني أبناء الدنيا، فتشتهي الشهوات عليه وتقول: اكسني ثوب كذا واشتر لي مرط حرير فيتمرط دينه.