يقول ابن الجزري رحمه الله: (ولما خص الله تعالى بحفظه من شاء من آله أقام له أئمة ثقات تجردوا لتصحيحه، وبذلوا أنفسهم في إتقانه، وتلقوه من النبي صلى الله عليه وسلم حرفًا حرفًا، لم ِيهملوا منه حركة ولا سكوتًا، ولا إثباتًا ولا حذفًا، ولا دخل عليهم في شيء منه شك ولا وهم، وكان منهم من حفظه كله، ومنهم من حفظ أكثر، ومنهم من حفظ بعضه، كل ذلك في زمن النبي صلى الله عليه وسلم) ( [121] ) .
هكذا لا يوجد جزء من القرآن الكريم إلا وهو محفوظ في صدور الصحابة رضي الله عنهم.
ولشدة حرصهم على القرآن الكريم فإنهم لم يكتفوا بحفظهم للقرآن في صدورهم فحسب، بل أضافوا إلى ذلك الكتابة في السطور، حيث كان بعضهم يكتبالقرآن في أدوات الكتابة المتيسرة لديه من الرقاع واللخاف والأكتاف وغيرها، كل ذلك مبالغة في المحافظة على بقاء القرآن سالمًا كاملًا كما أنزله الله تعالى على نبيه محمد صلى الله عليه وسلم.
ويؤكد ذلك ما قاموا به من جمع القرآن الكريم في الصحف بعد أن كان في أشياء متفرقة، لما خافوا عليه ضياع بعض أجزائه بسبب موت حفاظه في عهد أبي بكر الصديق رضي الله عنه؛ حيث أشار إليه بذلك عمر بن الخطاب رضي الله عنه لما استحرّ القتل بقراء القرآن في معركة اليمامة مع مسيلمة الكذاب، كما هو واضح من حديث زيد بن ثابت رضي الله عنه في جمع القرآن على عهد أبي بكر رضي الله عنه عند البخاري رحمه الله تعالى ( [122] ) وكذلك ما قاموا به في عهد عثمان رضي الله عنه من جمع الناس على مصحف واحد لما خافوا الفتنة التي كادت أن تحدث بين المسلمين بسبب اختلافهم في وجوه القراءات، كما ورد بذلك حديث حذيفة بن اليمان رضي الله عنه حيث قال لعثمان بن عفان رضي الله عنه: (يا أمير المؤمنين! أدرك هذه الأمة قبل أن يختلفوا في الكتاب اختلاف اليهود والنصارى...) ( [123] ) .