فكان صلى الله عليه وسلم إذا نزلت عليه آية أو سورة من القرآن أمر من حضر من هؤلاء الكتاب بكتابتها مع إرشاده إياهم إلى موضع الآية من سورتها، فكانوا يكتبون كل ذلك فيما يتيسر لديهم من أدوات الكتابة وقتذاك، كالرقاع، واللخاف، والأكتاف، والعسب، وما أشبه ذلك من أدوات الكتابة التي كانت متيسرة عندهم في زمانهم ذلك ( [120] ) .
ولم ينتقل النبي صلى الله عليه وسلم إلى الرفيق الأعلى إلا والقرآن كله مجموع، وإن كان متفرقًا في الرقاع والعسب وغيرها، كما كان صلى الله عليه وسلم يحرص على إقراء الصحابة رضي الله عنهم القرآن الكريم وتحفيظهم إياه، مع بيان معانيه لهم وأحكامه، فكثر منهم حفاظ القرآن الكريم، إما كله وإما أجزاء منه، كل بحسب ما تيسر له منه، فضمن الحفاظ على القرآن بالحفظ في الصدور، وبالكتابة في السطور. هذا قليل من كثير من عناية النبي صلى الله عليه وسلم بالقرآن الكريم وبسلامته، الذي كان خلقه القرآن.
وأما عناية الصحابة رضوان الله عليهم بالقرآن الكريم؛ فهي استمرار لما بدأه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإنه صلى الله عليه وسلم مهّد لهم الطريق، ورباهم على ذلك.
ويتمثل ذلك في عدة أمور، منها:
حرصهم الشديد على تلقي القرآن مشافهة من رسول الله صلى الله عليه وسلم لفظًا ومعنى، واجتهادهم في حفظ ما يتلقون من رسول الله صلى الله عليه وسلم من الآيات والعمل بأحكامها، فتعلموا القرآن من رسول الله صلى الله عليه وسلم لفظًا ومعنى وعملًا كما جاءت الأحاديث الكثيرة التي تحدثت عن حرص الصحابة على حفظ القرآن الكريم.