فإن المسلمين -بل الإنسانية كلها- أشد ما كانوا اليوم حاجة إلى معرفة فضائل أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وكرم معدنهم، وأثر تربية رسول الله صلى الله عليه وسلم فيهم، وما كانوا عليه من علو المنزلة التي صاروا بها الجيل المثالي في الإسلام؛ لأن أخبار أولئك الأخيار قد طرأ عليها من التحريف والإغراض والبتر، والزيادة وسوء التأويل في قلوب شُحنت بالغل على المؤمنين الأولين، فأنكرت عليهم حتى نعمة الإيمان! وقد أصبح من الفرض الديني على كل من يستطيع تصحيح تاريخ صدر الإسلام أن يعتبر ذلك من أفضل العبادات، وأن يبادر له، ويجتهد فيه ما استطاع إلى أن يكون أمام شباب المسلمين مثال صالح من سلفهم يقتدون به، ويجددون عهده، ويصلحون سيرتهم بصلاح سيرته.
ومما يتعين على المسلمين -خاصة شبابهم- في هذا المقام هو ما يجب عليهم اعتقاده تجاه صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ليؤدوا ما عليهم من حقوق نحوهم، وليعرفوا ما يلزمهم به دينهم تجاههم، كما كان عليه سلف هذه الأمة، وليتجنبوا الزلل الذي سقط فيه غيرهم من أهل البدع والضلال، وليتمسكوا بما سار عليه أئمة أهل السنة والجماعة، فإن الناس قد اختلفوا في صحابة النبي صلى الله عليه وسلم بين جاف عاق يتجرأ عليهم وينتقصهم، ولا ينزلهم منزلتهم اللائقة بهم، وبين غال يغلو في بعضهم ويرفعهم لمرتبة تعادل مرتبة الأنبياء، بل وربما ألهوه، أما أهل السنة والجماعة فهم وسط بين الجفاة وبين الغلاة، وعقيدتهم في إجلال الصحابة وتقديرهم، مرجعُها إلى ما ثبت في النصوص الكثيرة في القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة، في بيان فضائلهم ومناقبهم، وذكر رضا الله عنهم ومغفرته لهم وثنائه عليهم، والإخبار بأنهم أفضل قرون الأمة، والنهي عن التعرض لهم بالسب أو بالطعن فيهم، والأمر بالكف عن الخوض في أعراضهم.