يقول ابن تيمية في بيان موقف السلف في ذلك: (ويمسكون عما شجر بين الصحابة ويقولون: إن هذه الآثار المروية في مساويهم: منها ما هو كاذب، ومنها ما قد زيد فيه ونقص وغيّر عن وجهه، والصحيح منه هم فيه معذورون؛ إما مجتهدون مخطئون، وهم مع ذلك لا يعتقدون أن كل واحد من الصحابة معصوم عن كبائر الإثم وصغائره، بل يجوز عليهم الذنوب في الجملة، ولهم من السوابق والفضائل ما يوجب مغفرة ما يصدر منهم إن صدر، حتى إنهم ليغفر لهم السيئات ما لا يغفر لمن بعدهم؛ لأن لهم من الحسنات التي تمحو السيئات ما ليس لمن بعدهم) ( [48] ) . وقد نقلنا في الكلام عن عصمة الصحابة عن ابن تيمية قريبًا من ذلك، وفي متن معارج القبول:
ثم السكوت واجب عما جرى بينهم من فعل ماقد قدرا
فكلهم مجتهد مثاب خطؤهم يغفره الوهاب
وقال في الشرح: (أجمع أهل السنة والجماعة الذين هم أهل الحل والعقد الذين يعتد بإجماعهم، على وجوب السكوت عن الخوض في الفتن التي جرت بين الصحابة رضي الله عنهم بعد قتل عثمان رضي الله عنه، والاسترجاع على تلك المصائب التي أصيبت بها هذه الأمة، والاستغفار للقتلى من الطرفين والترحم عليهم، وحفظ فضائل الصحابة والاعتراف لهم بسوابقهم ونشر مناقبهم، عملًا بقول الله عز وجل:(( وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ ) ) [الحشر:10] الآية، واعتقاد أن الكل منهم مجتهد، إن أصاب فله أجران؛ أجر على اجتهاده وأجر على إصابته، وإن أخطأ فله أجر الاجتهاد، والخطأ مغفور، ولا نقول إنهم معصومون، بل مجتهدون، إما مصيبون وإما مخطئون لم يتعمدوا الخطأ في ذلك، وما روي من الأحاديث في مساويهم الكثيرُ منه مكذوب، ومنه ما قد زيد فيه أو نقص منه وغيّر عن وجهه، والصحيح منه هم فيه معذورون) ( [49] ) .