[الكاتب: أبو سعد العاملي]
الحمد لله رب العالمين، الملك الحق المبين، قاهر الظالمين وناصر المستضعفين، القائل {كتب الله لأغلبن أنا ورسلي إن الله قوي عزيز} ، والصلاة والسلام على رسوله الكريم سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، ثم أما بعد
هذه بعض الوقفات التربوية بمناسبة ارتقاء بطل جديد من أبطال الجهاد المعاصر، عمر عز الدين بن الشيخ أبو محمد المقدسي حفظه الله، في ساحات الجهاد في بلاد الرافدين، مقبلًا غير مدبر في إحدى معارك الشرف ضد جنود الصليب.
في بداية حديثي هذا أود أن أتقدم بأحر التعازي وأسمى التهاني في آن واحد لشيخنا الفاضل أبو محمد ولأهل بيته على هذا الشرف الكبير والفوز العظيم، على اختيار الله عز وجل لأبنهم أن يكون ضمن زمرة الشهداء - نحسبه كذلك والله حسيبه - الذين سقوا بدمائهم شجرة هذا الدين لتنشر ظلالها الوارفة للعالمين.
لقد رأينا صورًا متعددة ومتنوعة من هذه الدماء الزكية التي سالت قربانا لنصرة دين الله تعالى خلال العقود الأخيرة وفي عدة جبهات من عالمنا الإسلامي المحتل، شهداء كثيرون لا يضرهم أن يجهلهم كثير من الناس ولن ينقص أجرهم بسبب عدم ذكر أسمائهم على ألسنة الناس، حسبهم أن ربهم يعرفهم وأحصى أعمالهم ونسأله سبحانه أن يتقبل دماءهم.
لقد نفر هذا الشباب المسلم لأداء فريضة الجهاد [بنية الإعداد والنصرة والقتال في سبيل الله] بشتى فئاته ومستوياته العلمية والاجتماعية، وكذلك بمختلف أعماره.
رأينا العامل البسيط والحرفي والموظف والأستاذ والتاجر والطالب والمهندس والطبيب والمحاسب ثم رأينا نماذج جديدة منها طلبة العلم والمشايخ والعلماء في الفترة الأخيرة انطلقت لتعزز صفوف المجاهدين وتسابقت إلى نيل الشهادة أو الوقوع في الأسر.
ونقف اليوم أمام نوع جديد من هؤلاء الفرسان، ويتعلق الأمر بجيل جديد يمثله أبناء العلماء العاملين، الذين أبلوا بلاء حسنًا في ساحات الدعوة والحسبة والجهاد، كما هو الشأن بآل المقدسي، حيث أن شيخنا الفاضل أبو محمد قد قضى جل عمره بين الأسر والدعوة والجهاد، فيخرج من صلبه من يجسد ما يدعو إليه خير تجسيد، ويكون دليلًا قاطعًا على صدق أقوال والده ومدى تطابق قوله مع عمله.
فلا يستقيم أن تدعو الناس وتحرضهم على عمل الخير وخوض غمار المخاطر في سبيل نصرة الحق ومحاربة الباطل، بينما تحرص على نفسك وأهلك وبنيك بحجة أن بقاءك مهم للدعوة.
لا شك أن مصداقيتك ستكون ناقصة كما أن تأثير كلماتك سيكون ضعيفًا وقبولها لدى الناس محدودًا، لهذا فإن الله تعالى حينما يحب عبدًا من عباده يبتليه بل ويشدد عليه الابتلاء لتزكو نفسه وتسمو روحه ويكون أهلًا لحمل أمانة الدعوة وتحمل أعباء الجهاد، ويكون مثلًا أعلى يقتدي به الناس فيكون في ذلك خير عظيم ومكاسب كبيرة لهذا الدين.
فالتضحية في سبيل الله عنوان للصدق وعلامة من علامات النصر المرتقب، ومن باب أولى حينما تكون التضحية بالغالي والنفيس بل بالأغلى والأنفس.
وهاهو شيخنا الفاضل أبو محمد قد قدم لربه أحب أبنائه، ومن قبل قدَّم شبابه وسنين عديدة من عمره مؤثرًا عذابات السجن وحرمانه من أهله وبنيه في سبيل ثباته على عقيدة التوحيد.
لقد تعودنا في حياتنا أن تكون أسمى غايات آبائنا هو أن ننال شهادات جامعية أو نكسب مهارات حرفية أو فنية لتكون وسيلة للوصول إلى حياة مادية رغيدة تنسي هؤلاء الآباء عناء ما أنفقوا في سبيل إخراج أجيال قادرة على تحمل أعباء الحياة المادية البحتة دون أدنى مراعاة للقيم الدينية أو المحاذير الشرعية، حتى من يُنسب على العلم وأهله لا يخرج كثيرًا عن هذه القاعدة وإن كان الفرق بينه وبين الآخرين هو أن ييقى أبناؤه محافظين على بعض الالتزام الديني حتى لا يفقد جزءًا من هالته بين الناس.
أما اليوم فقد ظهر في الأمة آباء وأمهات يجعلون أبناءهم قرابين لهذا الدين، يزرعون فيهم العقيدة الصحيحة ويتربون على المفاهيم الإسلامية المهجورة، ولا يأخذون من الدنيا إلا بمقدار ما يستعينون به على بلوغ غاياتهم السامية، من نصرة للدين والتضحية في سبيل إعلاء كلمة الله، والسعي إلى نيل شهادة يفر منها أغلب الذين يدعون أنفسهم مسلمين، إنها شهادة تقديم النفس لله عز وجل وتطبيق بنود البيعة على هذا الدين {إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة، يقاتلون في سبيل الله فيقتلون ويُقتلون، وعدًا عليه حقًا في التوراة والإنجيل والقرآن ومن أوفى بعهده من الله، فاستبشروا ببيعكم الذي بايعتم به وذلك هو الفوز العظيم} .
نعم هاهو الشيخ أبو محمد وغيره الكثير، يزيد في الثمن طمعًا في مرضاة ربه ونصرة لدينه، ويدفع ولده"عمر عز الدين"إلى ساحات الوغى رغم صغر سنه، فيذوق كما ذاق والده مرارة السجن في سجون الصليبيين في بلاد الرافدين قبل أن يخرج منه إلى ساحات القتال فيلقى ربه مقبلًا ويختاره الله شهيدًا.
إن عمر المرء لا يُقاس بطول السنين بقدر ما يُقاس بطول التجربة ومدى تضحيته في سبيل نصرة دينه وعقيدته، والمجاهد الصادق في سبيل الله يكون أقرب الناس إلى الموت من غيره، ولكنه أبعدهم عن غضبه وعقابه، وأقربهم إلى عفوه وثوابه.
يا لها من صورة مشرقة هذه التي بين أعيننا، ويا لها من نهاية سعيدة تلك التي ختم بها شهيدنا الصغير السن والعظيم الأجر والعالي الهمة،"عمل قليلًا وأُجِرَ َكَثِيرًا"كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم.
إنها صورة نموذجية ينبغي أن تضاف إلى بقية صفحات كتاب الشهادة، لتكون لمن خلفه آية وعبرة وقدوة، في انتظار ميلاد صور جديدة وفريدة، في طريق نهوض هذه الأمة نحو التحرير الشامل، بدماء أبنائها البررة بمفهوم الشهادة بدلًا من مفهوم السلامة.
والحمد لله رب العالمين أولًا وآخرًا وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه تسليمًا كثيرًا.
وكتبه إيمانًا واحتسابًا
أبو سعد العاملي
1 رجب 1431هـ - الموافق لـ13 يونيو 2010 ميلادي.