فالسطر الأول يبدأ مباشرة في تقريره عن مرحلة معينة من سيرة الشاعر: أما الثاني فإنما عبر عن الفكرة بصورة شعرية لأن الأطفال هم في الغالب من يجمع الأزهار من الحقول ولكن عندما تكتمل فرحتهم ينامون قبل أن تزول رائحتها.
ولكن هذه الحال لا تدوم وهذا التواصل يؤول إلى الانفصال لأن من دعاة"الله""واليوم غاب ولا أثر .."جعل الشاعر يتخبط في الطرقات يكابد أحزانه ويجاهد لإخفاء فشله:
"واليوم غاب ولا أثر .."
وأنا حزين أعبر الطرقات
أفعل أنني أحيا
وانظر جاحظ الكلمات
حتى لا يقال قد انكسر ....""
حتى لا يقال قد انكسر ..
إن الانتقال من حال إلى أخرى يعني الانتقال من فضاء إلى آخر وهكذا يقوم هذا المقطع على معارضة بين حالين وفضاءين، وقد مهد الشاعر لهذا الانقلاب بقوله"فيصدعني أشهرا"أي أن مؤشرات الانفصال /الانقطاع كانت بادية منذ منتصف المقطع الشعري، وهكذا يلعب الشطر الشعري المذكور دون المفصل الذي يربط بين فضاءين ويسهل العبور من حال الأنس إلى حال الهجر- يظهر التعارض بين الحالين من خلال اللغة المستعملة لذلك- فالحال الأولى استعمل الشاعر للتعبير عنها: سهرت مع القمر- كنا نجمع الأزهار- أما الحال الثانية فإن الشاعر استعمل التعابير والكلمات التي تناقض الحال الأولى: وأنا حزين- أنظر جاحظ الكلمات- فالتحول الذي حدث في هذا المقطع ليس تحولا في الهيئات والمشاعر ولكنه تحول في اللغة أيضًا-
إن الانتقال من المقطع السردي إلى المقطع الغنائي يحدث خلخلة على مستوى التلقي، بل يمكن المتلقي أن يلاحظ انقطاعًا وهو عكس المقطع الغنائي الأول الذي اعتبرناه مفصليًا، حيث إن الشاعر ينتقل من حالة الانكسار التي أطلقها في شكل تحدّ ذي نبرة حزينة - إلى حالة الغناء- إذ يرتفع صوته شاديًا:
يا واقفًا بالباب ...: ... متأبطًا من عهد بابل
حزنا بكى وانساب ...: ... ثملان من زرد السلاسل