ونُلاحظُ مِن قَولِه - صلى الله عليه وسلم:"لا يَحِلُّ الْكَذِبُ"أيْ: أنّ الكذبَ حرامٌ عمومًا، ولكنْ أجازَه النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - فِي ثَلَاثٍ يُحَدِّثُ الرَّجُلُ امْرَأَتَهُ لِيُرْضِيَهَا وَالْكَذِبُ فِي الْحَرْبِ وَالْكَذِبُ لِيُصْلِحَ بَيْنَ النَّاسِ.
ونُلاحظُ مِنَ الحديثِ: أنّ الكذبَ في الأمورَ الثلاثةَ ليس على إطلاقَه بل عند الضرورةَ، والضرورةُ تقدّرُ بقدرِها، والأَوْلى عدمِ الكذبِ؛ لقولِه - صلى الله عليه وسلم - في أوّلِ الحديثِ:"لَا يَحِلُّ الْكَذِبُ ...".
والسؤالُ الذي يطرحُ نفسَه هو: لماذا أباحَ النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - الكذبَ في هذه المواضعِ الثلاثِ؟ الجوابُ في ما جاءَ في المنتقى - شرحِ الموطأِ الجزءِ الرابعِ صفحة 455 في شرحِ حديثِ رقم 1570: كَذِبُ الرَّجُلِ لِامْرَأَتِهِ لِيُرْضِيَهَا وَرَجُلٌ كَذَبَ لِيُصْلِحَ وَقَالَ عِيسَى بْنُ دِينَارٍ فِي الْمُزْنِيَةِ لَا بَأْسَ أنْ يكْذِبَ الرَّجُلُ امْرَأَتَهُ فِي كلِّ مَا يَسْتَجِيزُ بِهِ هَوَاهَا وَطَوَاعِيَتَهَا إِذَا لَمْ يُذْهِبْ بِكَذِبِهِ شَيْئًا مِنْ مَالِهَا مِثْلَ أنْ يزَيِّنَ لَهَا مَا يُعْطِيهَا وَنَحْوُ هَذَا، وَإِنْ كَذَبَ وَقَوْلُهُ وَلَا خِلَافَ أنّه مَنْ رَأَى رَجُلًا مُسْلِمًا يُقْتَلُ ظُلْمًا وَيَعْرِفُ أنّه يُنْجِيهِ بِالْكَذِبِ مِنْ أنْ يكُونَ فِي مَوْضِعٍ فَيَقُولُ: لَيْسَ هُوَ فِيهِ وَغَيْرُ ذَلِكَ أنّه يَجِبُ عَلَيْهِ الْكَذِبُ فَكَيْفَ لَا يَجُوزُ لَهُ وَقَالَ قَوْمٌ لَا يَجُوزُ شَيْءٌ مِن ذلك إِلَّا عَلَى مَعْنَى التَّوْرِيَةِ وَالْأَلْغَازِ لَا عَلَى مَعْنَى تَعَمُّدِ الْكَذِبِ وَقَصْدِهِ، وَقَدْ تَأَوَّلُوا مَا حُكِيَ عَنْ إبْرَاهِيمَ - عليه السلام - مِن ذلك عَلَى وُجُوهِ الْأَلْغَازِ وَرُوِيَ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ - رضي الله عنه - أنّه قالَ فِي الْمَعَارِيضِ مَنْدُوحَةٌ عنِ الكَذِبِ وَرَوَى ابْنُ شِهَابٍ عَنْ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أُمِّهِ أُمِّ كُلْثُومٍ أنّها سَمِعَتْ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - يَقُولُ لَيْسَ الْكَذَّابُ الَّذِي يَمْشِي يُصْلِحُ بَيْنَ النَّاسِ فَيُنَمِّي خَيْرًا أَوْ يَقُولُهُ. اهـ بتصريف.
والسؤالُ الذي يطرحُ نفسَه هو: هل أمرَ النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - بالكذبِ في غيرِ هذه الثلاثةِ؟
الجوابُ: لا؛ إذًا: أباحَها النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - للضرورةِ، ولدفعِ الضررِ الأكبرِ بضررٍ أقلَّ منه كما بَيّنتُ سابقا وليس الأمرُ على إطلاقِه ...