فهرس الكتاب

الصفحة 356 من 496

الجسد، خصوصًا وقد جاء بجانبه قولُه: {وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الذين كَفَرُوا} . مما يدل على أن الأمر أمرُ تشريفٍ وتكريم.

وقد جاء الرفع في القرآن كثير بهذا المعنى، {فِي بُيُوتٍ أَذِنَ الله أَن تُرْفَعَ} ، {نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَّن نَّشَآءُ} ، {وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ} ، {وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا} ، {يَرْفَعِ الله الذين آمَنُوا} . إلى أن يقول وبعد، فما عيسى إلا رسولٌ قد خلَتْ من قبلِه الرسل، ناصَبَه قومُه العداء، وظهرت على وجوههم بوادرُ الشر النسبة إليه، فالتجأ إلى الله، فأنقذه الله بعزته وحمته وخيّب ممكر أعدائه. هذا هو ما تضمنته الآيات {فَلَمَّآ أَحَسَّ عيسى مِنْهُمُ الكفر قَالَ مَنْ أنصاري إِلَى الله} إلى آخرها، بين الله فيه قوة مَكره بالنسبة إلى مكرهم، وأن مكرهم في اغتيال عيسى قد ضاع إذ قال: {يا عيسى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الذين كَفَرُوا} ، فهو يبشِّرُه بإنجائه من مكرِهم وردِّ كيدهم في نحورهم، وأنه سَيَتْوفي أجَله حتى يموت من غير قتل ولا صلب، ثم يرفعه الله إليه. الخ «.

ثم ينتهي عيسى ابن مريم إلى التفويض المطلق في أمرهم إلى الله تعالى وحده:

{إِن تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِن تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنتَ العزيز الحكيم} .

إن تعذِّبهم بما فعلوا من تبديل وتغيير فإنهم عِبادُك، وتتصرف فيهم كما تريد، وإن تعفُ عنهم فإنك وحدك مالكُ أمرِهم، والقاهر الذي لا يُغلَب. ومهما تدفعه من عذاب فلا دافع له من دونك، ومهما تمنحهم من مغفرة فلا يستطيع أحد حرمانهم منها بحَوْلِك وقوّتك، لأنك أنت العزيز الذي لا يُغلب، والحكيم الذي يضع كل شيء موضعه.

ثم يعقّب على كل هذا المشهد بقوله تعالى: {قَالَ الله هذا يَوْمُ يَنفَعُ الصادقين صِدْقُهُمْ} أي أن هذا اليوم هو يومُ القيامة، اليوم الّذي ينفع فيه الصادقين صدقُهم في إيمانهم، وفي سائر أقوالهم وأحوالهم فهؤلاء الصادقون أعَدّ الله لهم جناتٍ يعجز عنها الوصف تجري من تحت أشجارها الأنهار، ثوابًا من عند الله. وهم مقيمون فيها لا يخرجون منها أبدا. اهـ

2 -التحرير والتنوير لابن عاشور (ج 1 / ص 759) : فالقول بأنها بمعنى الرفع عن هذا العالم إيجاد معنى جديد للوفاة في اللغة بدون حجة ولذلك قال ابن عباس ووهب بن منبه: إنها وفاة موت وهو ظاهر قول مالك في جامع العتبية"قال مالك: مات عيسى وهو ابن إحدى وثلاثين سنة"قال ابن رشد في البيان والتحصيل"يحتمل أن قوله: مات وهو ابن ثلاث وثلاثين على الحقيقة لا على المجاز". اهـ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت