الصفحة 16 من 58

فكثير من الذين يعذرون بالجهل يرون جواز ذلك لأنهم لا يرونهم مشركين وإن فعلوا الشرك أو قالوا كلمة الكفر فهم يعذرونهم بجهلهم. وعندهم على ذلك بعض الشبهات:

منها قصة ذات أنواط فعن أبي واقد الليثي: (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما خرج إلى خيبر مر بشجرة للمشركين يقال لها ذات أنواط يعلقون عليها أسلحتهم فقالوا يا رسول الله اجعل لنا ذات أنوط كما لهم ذات أنواط فقال النبي صلى الله عليه وسلم سبحان الله هذا كما قال قوم موسى اجعل لنا إلها كما لهم آلهة والذي نفسي بيده لتركبن سنن من كان قبلكم) . رواه الترمذي [1] ، فإذا تأملنا سنجد أن هؤلاء حديثو عهد بالإسلام وإنما أرادوا التشبه بالمشركين في هذه المسألة بالذات، يريدون شجرة يكعفون عليها ويعلقون بها أسلحتهم، فقد تقع المشابهة للمشركين في بعض الصفات ولا يقتضي ذلك التشبه بهم ويبين ذلك قوله صلى الله عليه وسلم: (لتتبعن سنن من كان قبلكم) ، فليس اتخاذهم لذات أنواط هو اتخاذهم لآلهة من دون الله بنفسه ولكنه يشبهه، وقال هذا المحققون كالشاطبي وابن تيمية وغيرهما.

ثم نقول: من الذي يظن أن الصحابة الكرام يريدون آلهة مع الله وقد علموا أن ذلك ينافي شهادة الحق بل علمه المشركون كما قال تعالى عنهم: {أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا} ] ص:5 [، فكيف يعلمه المشركون ويجهله الصحابة حتى يُعذروا بجهلهم والقرآن بلسانهم وهم يعلمونه: {كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِّقَوْمٍ يَعْلَمُونَ} ] فصلت:3[، فحديث ذات أنواط هو في التغليظ في التشبه بالكافرين في مظهر من مظاهرهم.

أما حديث أبي هريرة (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم في الرجل الذي لم يعمل حسنة قط وقال إنه لئن قدر الله عليه ليعذبنه عذابا لا يعذبه أحدا من العالمين فلما مات فعلوا ما أمرهم به من ذر جسده في البر والبحر بعد حرقه فأمر الله البحر فجمع ما فيه وأمر البر فجمع ما فيه ثم قال لم فعلت هذا؟ قال: من خشيتك يا رب وأنت أعلم فغفر الله له) ، والحديث متفق عليه.

فنقول: أولا من أين لنا أن نصف هذا الرجل الذي حقق ثمرة العلم وهي الخشية بالجاهل، والله تعالى يقول {إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاء} ] فاطر:28 [، فقبل أن يعذره هؤلاء بالجهل لمَ لا نشفع له بالإيمان حيث حقق الخشية قال تعالى: {فَاللّهُ أَحَقُّ أَن تَخْشَوْهُ إِن كُنتُم مُّؤُمِنِينَ} ] التوبة:13 [، فالخشية علامة العلم والإيمان، وصاحبها أبعد ما يكون من الكفر والجهل، أما الكافر فإننا لا نتوقع منه خشية الله وهو يجهل التوحيد بخلاف الرجل

(1) رواه الترمذي (2180)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت