الذي حقق التوحيد بدليل ما رواه أحمد أنه لم يعمل خيرا قط إلا التوحيد، فخرج الحديث عن محل النزاع لأن الرجل كان موحدا وكلامنا عن جاهل التوحيد.
وما قاله بعضهم من أن الرجل كان يشكُّ في قدرة الله ليس مسَلَّما لما في رواية مسلم التي فيها قوله: (وإن الله يقدر على أن يُعذبَني) ، وقيل: إنما شك في القدرة على الممتنعات أي في قدرة الله على كل شيء، قالوا: فتلك الصورة الدقيقة لجمعه هي التي شك فيها ولم يشك في أصل قدرة الله تعالى بدليل أنه أمر أهله بحرق جسده وذرّه في البر والبحر ولو كان جاهلا أو شاكا في قدرة الله مطلقا لما احتاج إلى ذلك، فكون الله على كل شيء قدير من العلم الذي قد لا يتبين لبعض من يؤمن بأصل قدرة الله قال تعالى في {الذي مر عَلَى قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا قَالَ أَنَّىَ يُحْيِي هََذِهِ اللّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا فهذا قال الله عنه فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ قَالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} ] البقرة:259[.
وقد قيل إن الرجل غير ضابط لكلامه وهو كقول الآخر: اللهم أنت عبدي وأنا ربك، ولكن بين النبي صلى الله عليه وسلم أنه أخطأ من شدة الفرح، فمن علم بالقرائن الصحيحة الواضحة أنه نسي أو أخطأ ولم يقصد ما قال أو فعل لا يكفر ولكن - اسمع - بالقرائن الصحيحة المقبولة الظاهرة، والأصل تكفير كل من قال كلمة الكفر أو فعل فعله، ولو كان الخطأ والنسيان محتملين حتى يتبين ذلك أو تقوم قرائن تبينه، إذ يكفي أن نبين أن القول كفر أو الفعل كذلك.
وقيل إن كلام الرجل ذلك من مجاز كلام العرب، مزج الشك باليقين كما في قوله تعالى: {وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ} ]سبأ:24 [، فهي صورة الشك المقصود منها اليقين.
وقيل كان من أهل الفترة حيث يكفيه مجرد التوحيد إذ لم يأته شرع.
وقيل كان في زمن يجوز فيه العفو عن الكافر في شرعهم بخلاف شريعة النبي صلى الله عليه وسلم.
وقيل هي من قضايا الأعيان، إلى غير ذلك.
فلو كان من أصول العلماء إعذار جاهل التوحيد لقالوا: إن هذا الرجل جهل قدرة الله وعذر بجهله، ولما احتاجوا إلى التأويل الذي لا يخفى ذمه عندهم ولا يلجأون إليه إلا في حالة الضرورة.