وقيل أيضا إن هذا الرجل جهل صفة من الصفات وقد اختلف في تكفير جاهل الصفة، نعم ليس كل الصفات فإن من الصفات ما لا يصح التوحيد إلا يعلمه.
أما ما رواه ابن ماجه وغيره من سجود معاذ حين قدم من الشام للنبي صلى الله عليه وسلم فكان من قبيل سجود التحية ونهى عنه صلى الله عليه وسلم بقوله: (لا تفعل، لو كنت آمرا أحدا أن يسجد لأحد لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها) [1] ثم اعلم أن معاذا هو الذي اختاره النبي صلى الله عليه وسلم لمناظرة أهل الكتاب ودعوتهم كما في الصحيحين فكيف يجهل التوحيد ويسجد لغير الله تعبدا.
وإذا راجعت التفاسير عند قوله تعالى: {وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلاَئِكَةِ اسْجُدُوا لآدَمَ .. ] البقرة:34 [، وقوله تعالى} وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا .. ] يوسف:100[، ستجد أن سجود التحية كان مشروعا إلى أن جاء النبي صلى الله عليه وسلم بالنهي عنه، راجع القرطبي وابن كثير وفتح القدير للشوكاني.
واستدلوا كذلك بقصة الحواريِّين في قوله تعالى {هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَن يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَآئِدَةً مِّنَ السَّمَاء .. } ]المائدة:112[، فزعموا أن القوم شكوا في قدرة الله وعذروا بجهلهم، ولم يعلموا أنه جاءت القراءة (هَلْ تَسْتَطِيعُ رَبَّكَ) بالتاء وفتح الباء قرأ بها الكسائي وابن عباس وعلي وعائشة وغيرهم، فتحمل عليها القراءة الأخرى التي هي عندئذ بمعنى هل يُجيبك ربُّك وهذا معلوم عند العرب.
ثم إن من العلماء من قال بتكفيرهم بذلك القول فاستتابهم نبيهم {اتَّقُوا اللّهَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ} ] المائدة:112 [ذهب إليه ابن جرير الطبري. ثم تابوا واتقوا كما في قوله تعالى: {قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنصَارُ اللَّهِ .. } ] الصف:14[، والجمهور على أنهم لم يشُكُّوا في قدرة الله تعالى، وذكر البغوي ذلك عن الصحابة، عن علي وعائشة وابن عباس وغيرهم.
ومن شُبَههم الاستدلال بقوله تعالى: {رَبَّنَا لاَ تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَا أَوْ أَخْطَانَا .. } ]البقرة:286 [وقوله: وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَاتُم بِهِ .. ] الأحزاب:5 [وما في ذلك المعنى من أحاديث صحيحة معلومة في رفع الخطإ والنسيان، فقالوا: إن الجهل من الخطإ، وهذا القول ليس هذا محله لأنه في المؤمن العالم بالتوحيد من أمة النبي صلى الله عليه
(1) رواه ابن ماجه (1853) ، قال في الزوائد: رواه ابن حبان في صحيحه. قال السندي كأنه يريد أنه صحيح الإسناد، قال الشيخ الألباني: حسن صحيح.