الصفحة 19 من 58

وسلم لا في جاهل التوحيد الذي لم يحقق الإيمان، وقد مرَّ بنا قوله تعالى: {أَن تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنتُمْ لَا تَشْعُرُونَ} ] الحجرات:2[والمخطئ لم يشعر.

وعجيب ما استدل به البعض من قوله تعالى {قَالَ هَلْ عَلِمْتُم مَّا فَعَلْتُم بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ إِذْ أَنتُمْ جَاهِلُونَ} ]يوسف:89 [فقالوا إنهم عُذروا بجهلهم في قوله {لاَ تَثْرَيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ .. } ] يوسف:92 [، ومع أنهم قيل أنهم كانوا صغارا كما قال القرطبي وغيره في قوله تعالى (جَاهِلُونَ) إلا أن الآية حجة عليهم لقوله تعالى عنهم {تَاللّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللّهُ عَلَيْنَا وَإِن كُنَّا لَخَاطِئِينَ} ] يوسف:91 [فاعترفوا بخطئهم ولو كانوا معذورين لما كانوا مخطئين، ويؤكد ذلك قوله تعالى عنهم {يَا أَبَانَا اسْتَغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا إِنَّا كُنَّا خَاطِئِينَ} ] يوسف:97[فهذا يؤكد أنهم خاطئون وليسوا معذورين بجهلهم إن صح أنه جهل كما قال المحتجون، وعلى كل حال ليس هو جهلا بالتوحيد ولذلك استغفر لهم يعقوب ربَّه إنه هو الغفور الرحيم، واعلموا أن العفو ليس من باب العذر بالجهل.

ويحتجون كذلك بحَلِف عمر وبقول إبراهيم {هَذَا رَبِّي .. } ]الأنعام:76[وغير ذلك، وضعفت والله مسألة يحتج لها بمثل هذا.

واعلموا أيها الإخوة الكرام أن هؤلاء يخلطون بين صفحه صلى الله عليه وسلم وعفوه عمن سبَّه أو فعل غير ذلك مما يوجب الكفر والقتل وبين العذر بالجهل، فالذين سبُّوا النبي صلى الله عليه وسلم أو انتقصوا منه في حياته ولم يأمر بقتلهم لم يعذرهم صلى الله عليه وسلم بالجهل، وإنما عفا عنهم صلى الله عليه وسلم فله الحق في ذلك، وليس لنا ترك حقه صلى الله عليه وسلم، وقد استوفى العلماء ذلك كالقرطبي وابن تيمية وابن القيم والحافظ ابن حجر، والله تعالى يقول: {خُذِ الْعَفْوَ وَامُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ} ]الأعراف:199 [وقد نقل أبو بكر الفارسي الشافعي في كتابه"الإجماع"الإجماع على كفر من سبَّ النبي صلى الله عليه وسلم.

ونجدهم أيضا يخلطون بين الاستتابة والعذر بالجهل، فحيثما وجدوا استتابة قالوا هي عذر بالجهل وفقنا الله للصواب.

واعلموا أن الفقهاء لم يذكروا العذر بالجهل في باب الردة من تصانيفهم وإنما يذكرون الأقوال والأفعال التي يكفر صاحبُها ويقولون: إن من ارتكبها فهو مرتدّ ولا يستثنون الجاهل، بل إن بعضهم يقول بالتربص به أياما لعله يعلم بعد جهله، وهو ما يهدم القول بالعذر بالجهل، وهذا منهم إشارة إلى أن الردة تقع بالجهل، وقد أشار إلى ذلك أبو بكر بن العربي في كتاب"التوسط في أصول الدين".

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت