الصفحة 20 من 58

وهذا المعنى معروف معلوم عند العلماء كالقاضي عياض في الشفاء إذ صرَّح بعدم العذر بالجهالة في التوحيد، وقال الشوكاني في الردة:"لا يعتبر في ثبوتها العلم"بمعنى ما قاله من جاء بلفظ كفري أو فعل فعلا كفريا، وهذا كثير معلوم في مصنفات أهل العلم، بل نقل القرافي الإجماع على عدم العذر بالجهل في أصول الدين، وقال به الطبري وغيره، أو بعبارة المتأخرين:"لا يُعذر بالجهل في الشرك الأكبر".

وهنا أقول إنه ينبغي التفصيل بين الأمور التي يُعذر بجهلها حتى لا يقع الخلط. أما التوحيد وأصول الدين فهذا لا يُعذر جاهله مطلقا، لأن عبادة غير الله لا توجد إلا من كافر وإن صرّح بالإسلام، وأما ما لا سبيل إلى معرفته إلا بالنص كالخبريات فلا يُكفَّر جاهله إلا بعد تعليمه إياه، فإن علمه وأنكره كفر وهذا كاستحلال المحرمات وجحد الواجبات.

فهذا النوع من الجهل ليس معذورا صاحبه على الإطلاق، بل يُعذر حيث لم توجد مظنة العلم، فإن وجدت مظنته وكان بالإمكان التعلم لم يُعذر، وأقيم عليه الحد فيما فيه حد، كما في قصة قدامة بن مظعون مع عمر بن الخطاب مع أنه كان متأولا، وهنا أيضا أقول: ليس التأويل على إطلاقه، وإلا فابن عربي والحلاج وغيرهما من أهل وحدة الوجود متأوِّلون، ومع ذلك كفار، إذ لا ينفع التأويل في أصول التوحيد التي لا يتحقق إلا بها، لأنها قطعية لا مجال للتأويل فيها.

هذا وقد اتفق العلماء على كفر من لم يوحد الله من أهل الفترة وإنما اختلفوا في اختباره يوم القيامة أو تعذيبه، فمن هنا ندرك أن احتجاج هؤلاء بقوله تعالى: {وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا} ] الإسراء:15 [خارج نطاق النزاع لأننا لا نتكلم عن التعذيب في الآخرة، وإنما عن التكفير في الدنيا مع أن العذاب في الآية دنيوي كما نسب القرطبي وغيره للجمهور.

وهنا أقول: إذا كان زيد بن عمرو بن نفيل موحِّدا كما في صحيح البخاري فماذا عن الذين لم يحققوا التوحيد في زمنه، وليس في مقابل التوحيد إلا الشرك والكفر.

هذا واعلموا يا إخوة الإيمان أن من عذر مستغيثا بغير الله يذبح عند قبور الأولياء والصالحين أثقلت كاهلَه التمائمُ كيف لا يعذر جنديا من جنود الطاغوت، وسيفا مُهَنَّدا على أولياء الله، وركيزة قوية لتدعيم حكم الطاغوت.

إنه لم يتلبس بشيء من تلك الشركيات التي تلبس بها ذلك القبوري، وإنما زعم أنه في جيش مسلم يقوده رئيس مسلم لدولة مسلمة، فإذا قلت له: تقاتل في سبيل الطاغوت، قال

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت