الصفحة 57 من 58

الإسلام تطبيق حُدودِه والحكم بشريعته , أمَّا بناء المساجد وإقامة الشَّعائر وانتشارُ المسلمين فموجودٌ في بلاد الكفر وقد كَثُرت الهجرة إليها.

إنه جديرٌ بالعلماء أن يتذكَّرُوا أنَّ البَاطِلَ لا يَرْفعُه علمُ قائلِه , وأنَّ الحقَّ لا يضَعُه جهْلُ مُناوِلِه , لأنَّ العبرةَ بالدَّلائل , لا بقول الأئمة الأماثل , ومَن عَرَف الحقَّ بالرجال تاهَ في مسالك الضَّلال.

أين ذلك المَسْعَى من تُراثِ العُلَمَاء الشَّناقِطَة الَّذين كَتَبُوا كُتُبًا نفيسةً في وُجوب تحكيم الشَّريعة , ونَبْذِ القَوَانِين الوَضْعِيَّة , منهم العلاَّمة (آبَّ ولد اخْطُورْ) محمَّد الأمين ولد محمَّد المختار الجَكَني في مواضع من تفسيره , والعلاَّمة المختار ولد ابْلُولْ الحاجي في جُملةٍ من فتاويه , والإمام بُدَّاه ولد البُصَيري التَّندَغِيُّ في تأليفه"الكتائب الشرعية في صدِّ هُجوم القوانين الوضعية", والشَّيخ عبد الوَدُود بن محمَّد عبد الله التَّنواجيوي في"كاشف الإلْبَاس عن حُكم المكَّاس", وغيرهم ممَّن كتَبَ كتابات بُدُور التَّحقيق عليها لائحَة , ورَوَائحُ التدقيق منها فائحة.

إنَّ البُعْدَ عن الحُكم بالشَّريعة الإسلامية والإعراض عن تطبيق حدودها هو الذي جرَّ إلى الأُمَّة ما هي عليه اليوم من الوَهَن والذُّلِّ والضَّعف والاستِكانة, حتَّى صارت فريسةً سهلةً لأعدائها بعد أن كان المسلمون سادة الدُّنيا , أذْعَن لهم القياصرةُ والأكاسرة , وملكُوا مشارقَ الأرض ومغاربَها , وملَئُوها عدلًا وسلامًا بإقامتهم للدِّين , فلمَّا عطَّلوا حُدُودَه كان ما كان , [ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرا نِّعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ] [1] .

ولأنَّ الشُّعوبَ قرَّرَتْ الخُرُوجَ قبْلَ إذْنكُمْ فَلمْ تُشَارِكُوا في صِيَاغَةِ الثَّورة بمقْتَضى العلم , فعَليْكُم اليومَ أيُّها العُلماءُ أن تَغْتَنِمُوا فُرصََتَكم لإحقاق الحقِّ ومَحْق الباطل , وإشعال العَزائم ورَفْع الهِمَمِ حتَّى لا تُساهِمُوا فِي صناعَةِ الطُّغْيان.

محمد سالم المجلسي

نواكشوط 1 رجب 1432

(1) (الأنفال 53) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت