الصفحة 56 من 58

شأن الثَّورات , رغم أن فيها مزيةً , حيث سقط طغاةٌ مستبدُّون , وكُسِّرت قيودٌ طالما شلَّت أَيْدِي الإصلاح وألجمَتْ أفْواهَ الحَقِّ , وكشفت عن وجه آخر للعُلماء.

لقد رأيتُ عامَّة أولئك العلماء يعتذرون بعدم القدرة , وليس هذا عُذرًا إِذْ ليسُوا مكَلَّفين بغير المقدور عليه , ولا أُريد اسْتِفْزازَهُم ليَتلَاشى علمُهُم , ولا التغليظَ عليهم ليُنقَضَ حِلْمُهُم , وإنَّما أذكُر الدَّليل ولا غرابة , فرُبَّما صَوَّحَتْ السَّحُوق وأثْمَرَت الفَسِيلة , وأعيَتْ المسألةُ الحكيمَ وفرَّجتها سُخَيْلة.

لقد قال عمرو بنُ عَبَسَة السُّلَمِيُّ: (كُنْتُ وَأَنَا فِى الْجَاهِلِيَّةِ أَظُنُّ أَنَّ النَّاسَ عَلَى ضَلاَلَةٍ وَأَنَّهُمْ لَيْسُوا عَلَى شَىْءٍ وَهُمْ يَعْبُدُونَ الأَوْثَانَ فَسَمِعْتُ بِرَجُلٍ بِمَكَّةَ يُخْبِرُ أَخْبَارًا فَقَعَدْتُ عَلَى رَاحِلَتِى فَقَدِمْتُ عَلَيْهِ فَإِذَا رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- مُسْتَخْفِيًا جُرَءَاءُ عَلَيْهِ قَوْمُهُ فَتَلَطَّفْتُ حَتَّى دَخَلْتُ عَلَيْهِ بِمَكَّةَ فَقُلْتُ لَهُ مَا أَنْتَ قَالَ «أَنَا نَبِىٌّ» . فَقُلْتُ وَمَا نَبِىٌّ قَالَ «أَرْسَلَنِى اللَّهُ» . فَقُلْتُ وَبِأَىِّ شَىْءٍ أَرْسَلَكَ قَالَ «أَرْسَلَنِى بِصِلَةِ الأَرْحَامِ وَكَسْرِ الأَوْثَانِ وَأَنْ يُوَحَّدَ اللَّهُ لاَ يُشْرَكُ بِهِ شَىْءٌ» . قُلْتُ لَهُ فَمَنْ مَعَكَ عَلَى هَذَا قَالَ «حُرٌّ وَعَبْدٌ» . قَالَ وَمَعَهُ يَوْمَئِذٍ أَبُو بَكْرٍ وَبِلاَلٌ مِمَّنْ آمَنَ بِهِ. فَقُلْتُ إِنِّى مُتَّبِعُكَ. قَالَ «إِنَّكَ لاَ تَسْتَطِيعُ ذَلِكَ يَوْمَكَ هَذَا أَلاَ تَرَى حَالِى وَحَالَ النَّاسِ .... ) [1] .

فنَجِدُ هنا اهتمامَ النبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم المبكِّر بإزالة معالم الجاهلية رغم استضعافه وقلَّة حِيلتِه وعدم قدرته على ذلك , لكنَّه يُبَيِّن الحكم , فمن رَبَطَ البيان بالقدرة على التَّطبيق , فهو كمن يَخْلِط بين التَّصوُّر والتَّصديق, وليس ذلك شأنَ أَهل التَّحقيق.

لقد اطَّلعتُ على بحث بعنوان (الأدلة الشَّافية) أصدَرَتْه رابطةُ العُلَماء الموريتانيين جاءَ في خَاتِمَته أنَّه يُمكنُ القولُ (إنَّ الجمهورية الإسلامية الموريتانية تَتَحَقَّقُ فيها كلُّ مُمَيِّزات الدَّولة الإسلامية الَّتِي تَوَافَق عليها العلماء منذ عهد الصَّحابة والتَّابعين) [2] ، فانظر إلى قولهم (كل مميزات الدولة الإسلامية ... ) ولم يقولوا (بعض مميزات) ولا قالوا (إسلامية رغم غياب مميِّزات ندعوا إلى تحقيقها) وإنما وصفُوها بالصِّفة الشَّرعية الكاملة رغم تعطيل الحُدود وغياب مفهوم حِراسة الدِّين وسياسة الدُّنيا بالدِّين , وإنَّ نصَّ الدُّستور على أن الإسلامَ هو المصدرُ الوحيد للتَّشريع هو كما تَنُصُّ الدَّساتير في الدِّكتاتوريات على أَنَّها تَحْكُم بالدِّيمقراطية , إذ العبرةُ بالمعمول به لا بالمنصوص عليه في الدَّساتير , ومجرَّدُ الاسم لا يُغْني من الحَقِّ شيْئا , وأعظم ما تَتَمَيَّز به دولة

(1) (مسلم 832) .

(2) (الأدلَّة الشَّافية في الرَّدِّ على الشُّبَه الواهية ص 153) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت