الصفحة 55 من 58

إن العلماءَ بمواقفهم , لا بمُجَرَّد معارفهم , وبالحقِّ يَرْتَقِي الأصاغرُ المنابر , إذا لم يَقُم به العلماءُ الأكابر , قال الشَّيخ أحمد شاكر رحمه الله: (وقد أُتي المسلمون من ضعف علمائهم في مواقف الحق , لا يَصْدَعون بما يؤمرون , يُجاملون في دينهم وفي الحق , لا يُجاملون الملوك والحكَّام فقط , بل يُجاملون كل من طلبوا منه نفعًا أو خافوا منه ضُرًا في الحقير والجليل من أمر الدنيا , وكلُّ أمر الدنيا حقير , فكان من ضَعف المسلمين بضعف علمائهم ما نَرَى) [1] .

إنَّ علماءَ الحقِّ يَضْرِبُون أَرْوَعَ الأَمْثلَةِ في الثَّبات على المبادئ والتَّضْحية لِبُلُوغ الغايات , وما أحسَنَ ذلك المَوْقف الَّذي ذَكَر الذَّهبيُّ في قصَّة الأوزاعيِّ مع عبد الله بن علي , ثم علَّق عليها قائلا: (قد كان عبدُ الله بن علي ملكا جبَّارا سفَّاكًا للدِّماء صَعْبَ المِرَاس , ومع هذا فالإمامُ الأَوْزَاعي يصدَعُه بمُرِّ الحق كما ترى , لا كخلْق من عُلماءِ السُّوء الَّذين يُحَسِّنُونَ للأُمراء ما يَقْتَحِمون من الظُّلم والعسف , ويَقْلِبُون لهم الباطل حقًّا ـ قاتلهم الله ـ أو يَسكُتون مع القدرة على بيان الحق) [2] .

لعلَّ من المُلْفِت للنَّظر عند الكثيرين أن الثَّورات الَّتي انطلقت لم تستأذن العلماء , مِمَّا جَعَل مُساندةَ القليل منهم لها بعد انطلاقها مجرَّدَ تطفُّل , ولا نُجانب الصَّواب إذا قُلنا إنها لم تكن بعيدةً من الثَّورة الفرنسية في تمرُّدها على رجال الكنيسة , وذلك لأنها خرجت على نُظُم شارك كثيرٌ مِن علماءُ الدِّين في صناعة طُغيانها.

ولأن الصِّدقَ نَباهَةٌ والكذب عاهة , فيَجب الاعتراف أنَّ بلدَنا لم يَزَل غارقا في الأزمات بسبب النُّظُم المتعاقبة التي لم تُحْدِث في الدِّين ولا الدُّنيا إصلاحًا يَرُدُّ حُقُوقَ المُستَضعَفِين أو يُضَمِّد جِراحَ المَظلومين , فالفقر والحرمان , والمرض والبطالة , والنَّهب والفساد , وإهدار الطَّاقات , وهَضْم الحقوق , كل ذلك أَثارَ بَراكين الأوجاع وهيَّج نقعَ الأحزان , في أرض لها هويتُها الإسلامية المشرقة , وأخرجت لأهلها الثَّروات والخيرات.

يجب عليكم أيُّها العلماء أن تقوموا في سبيل الله لإعلاء شرعه, وتنتصروا للمستضعفين من الرِّجال والنِّساء والولدان , وإذا لم تَقُوموا قبل أن تتمكَّن الثَّوراتُ فسَتلْقَوْن ما لَقِيَت الكنيسة ولابُد , وليس هذا ثناءً على الثَّورات الَّتي أَلْحقها البعضُ بالجهاد , وفي ذلك عَوَار , إذ هو قياس فاسد الوضع والاعتبار, ألْحَقَ الفرْعَ بغَيْر أَصْلِه , وخالف النَّصَّ في مَحَلِّه , فالجهاد لإقامة الدِّين وليس ذلك

(1) (مقدمة المسند، ج 1، ص 98 هامش) .

(2) (سير أعلام النُّبَلاء 7/ 125) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت