وفي نظام تداول الأوراق المالية في الولايات المتحدة الأمريكية لا يجوز أن تكون للمراجع ـ المراجع المالي ـ أي مصلحة في المنشأة التي يقوم بمراجعتها [1] ـ وسيأتي مزيد إيضاح لهذه القضية ـ
6 ـ الاستقلال المالي للهيئة الشرعية بأن يقدر لها ميزانية سنوية يدخل في اعتبارها إنشاء هيكل تنظيمي مواكب لأعمالها، من أمانة عامة وباحثين وكتبة،، ويقدر لها ما يتطلبه العمل الفقهي من مواكبة لحركة البحث والإصدار والمكتبات والتوثيق،، ومتابعة المؤتمرات المحلية والإقليمية والدولية،، وتقدر هذه الميزانية وتصرف دون تدخل الإدارة التنفيذية أو مجلس الإدارة، وإنما تعتمد من قبل هيئة المساهمين مباشرة. [2]
ملحوظات على عمل هيئة الرقابة الشرعية
عمل الرقابة الشرعية عمل مستحدث لم يوضع له نظام موحد تتفق عليه المصارف، وليس له تخصص محدد يدرس في الجامعات كالرقابة المالية مثلا، وإنما دافعه الرغبة في تحري الحلال واجتناب الحرام، ومن هنا كانت هناك بعض الملحوظات التي تحصل أثناء عمل الهيئة، ولعل هذا الموضوع من أهم الموضوعات ـ في نظري ـ فإن بيان الأخطاء هو مقدمة اجتنابها وسبيل تصحيح مسارها فمن هذه الملحوظات:
1 ـ تتبع رخص المذاهب، والأقوال المرجوحة، والحيل الفقهية، وتقليد من لا يجوز تقليده لمخالفته النص أو الإجماع أو القياس الجلي.
والمراد برخص المذاهب هنا: الأخذ من كل مذهب بالأهون والأيسر فيما يقع من المسائل ولو كان دليله ضعيفا. [3]
قال سليمان التيمي:"إن أخذت برخصة كل عالم اجتمع فيك الشر كله، قال أبو عمر ابن عبد البر: هذا إجماع لا أعلم فيه خلافا" [4]
وقال الإمام أحمد: لو أن رجلا عمل بقول أهل الكوفة في النبيذ، وأهل المدينة في السماع (يعني الغناء) وأهل مكة في المتعة كان فاسقا [5] .
قال ابن القيم"وبالجملة فلا يجوز العمل والإفتاء في دين الله بالتشهّي والتخيّر وموافقة الغرض، فيطلب القولَ الذي يوافق غرضه وغرضَ من يحابيه فيعمل به، ويفتي به، ويحكم به، ويحكم على عدوه ويفتيه بضده، وهذا من أفسق الفسوق وأكبر الكبائر، والله المستعان" [6] .
والواقع أن بعض الهيئات تكتفي بمجرد وجود قول في كتاب فقهي بغض النظر عما إذا كان هذا القول راجحا أو مرجوحا.
وهذا الصنيع يفقد الثقةَ بالمصارف الإسلامية؛ إذ يؤدي مثلُ هذا إلى اضطراب الأحكام الشرعية،، ومن المؤلم أن نفس الهيئة قد تُعرض عليها المسألة فتخرجها على قول إذا كان هذا القول في مصلحة البنك، وقد تخرجها على قول آخر مضاد للأول إذا كان المصلحة فيه للبنك أيضا، ونشير هنا - كما سنبينه فيما بعد - أنه ليس معنى ذم تتبع رخص العلماء القول بإلزام الهيئات مذهبا بعينه، وألا تنتقل منه لغيره، أو إنكار تغير الفتوى بتغير الأحوال، لكن المذموم ـ هنا ـ اتباع الهوى. [7]
2 ـ تعدد هيئات الرقابة الشرعية واختلاف آرائها في المعاملات المالية في الدولة الواحدة، فلكل مصرف هيئة رقابته الشرعية الخاصة به، والمنقطعة العلاقة - في الأغلب - عن الهيئات الشرعية لمصارف الأخرى. وكثيرا ما نجد هيئة شرعية لمصرف أفتت مثلا بجواز بعض المعاملات، وربما وجدنا هيئات أخرى تمنع ذلك أو بعضه، ويؤدي هذا بدوره إلى التشتت والاضطراب خاصة على مستوى العملاء، فإذا ما تم تكوين هيئة عليا للرقابة الشرعية في كل دولة كان ذلك أجدى وأضمن من حدوث كثير من السلبيات، ومنعا من التأثير المباشر على الهيئة من قبل إدارة المصرف [8] .
3.عدم وضوح التقارير الرقابية:
تقدم هيئة الرقابة الشرعية بيانا للمساهمين حين عقد الجمعية العمومية توضح فيه مدى التزام المصرف بأحكام الشريعة في معاملاته، والملاحظ أن هذا البيان أو الشهادة تكون أحيانا بالصيغة الآتية: المصرف ملتزم في جميع معاملاته التي نظرت فيها الهيئة بأحكام الشريعة الإسلامية. [9]
فالهيئة قيدت شهادتها بالمعاملات التي نظرت فيها، فهي شهادة جزئية وليست شاملة، والملاحظ أن هذه الصيغة ونحوها تتكرر كل عام.
4 ـ اعتماد لجنة تنفيذية منبثقة من الهيئة الشرعية بحجة البت في المعاملات المستعجلة، وترفع تقريرها للهيئة الشرعية التي لا تنعقد إلا مرة في السنة أو مرتين تقريبا، وهذا وإن كان فيه تسهيل لعمل الهيئة، ولكنه لا يخلو من محاذير ـ أحيانا ـ أبرزها تمرير بعض المعاملات دون نظر الهيئة بكامل أعضائها بحجة أنها مستعجلة، فيكفي فيها نظر اللجنة التنفيذية، والتي تتكون من بعض أعضاء الهيئة مع بعض المستشارين.
5 ـ قصور الضبط الشرعي في التعامل مع البنوك الخارجية الربوية بصفتها بنوك مراسلة من خلال معاملات التجارة الدولية والاعتمادات المستندية، حيث إن نُظم هذه البنوك غير إسلامية، وموظفيها غيرُ مسلمين، وبالتالي ينقصهم الحد الأدنى من معرفة أحكام الشريعة الإسلامية في المعاملات المالية، وينقصهم - أيضًا - الحس الإسلامي العام الذي يشعر به الموظف المسلم، مما يؤدي معه إلى احتمال كبير في حدوث أخطاء شرعية في التنفيذ على الرغم من شرعية العقود، ولا يمكن الاطمئنان تمامًا إلى ما يصدر عن هذه البنوك من بيانات وإشعارات ونماذج.
كما يوجد قصور بالنسبة لمعظم هيئات الرقابة الشرعية في تتبع ومراقبة شرعية هذه المعاملات على أرض الواقع في الخارج، باستثناء بعض هيئات الرقابة الشرعية التي حاولت التأكد من شرعية المعاملات الخارجية التي يجريها وكيل المصرف هناك. [10]
ومما يحمد لبعض المصارف الإسلامية أنها أرسلت لجانا للتأكد من صحة البيانات التي يصدرها المصرف الخارجي، خصوصا ما يتعلق بتعيين السلعة وصحة
(1) انظر الرقابة الفعالة في المصارف الإسلامية الشرعية، د. محمد أمين القطان 18
(2) انظر الرقابة الشرعية وأثرها في المصارف، الدكتور احمد السعد ص18
(3) انظر الرقابة الشرعية والتحديات المعاصرة، الدكتور عطية فياض ص29
(4) انظر جامع بيان العلم وفضله لابن عبد البر ص 360، والإحكام في أصول الأحكام، ابن حزم 6/ 179
(5) البحر المحيط الزركشي 6/ 325، وإرشاد الفحول إلى تحقيق الحق من علم الأصول، الشوكاني 2/ 367
(6) إعلام الموقعين عن رب العالمين، ابن القيم 4/ 211
(7) انظر الرقابة الشرعية والتحديات المعاصرة، الدكتور عطية فياض ص29
(8) انظر المرجع نفسه ص 32
(9) انظر الرقابة الشرعية وأثرها في المصارف، الدكتور احمد السعد ص 13
(10) انظر الرقابة الشرعية على المصارف، الدكتور محمد عبد الغفار الشريف ص 21