الصفحة 39 من 53

ويمكننا أن نستدل على رأينا في مسألة الفحص الطبي قبل الزواج بما يلي:

أولًا: أن المصلحة الأصلية المقصودة للشارع من مشروعية الزواج هي المحافظة على النسل إيجادًا وإبقاءً، ولم يخالف أحد من علماء الشريعة في هذا؛ لأنهم أجمعوا على أن المحافظة على النسل من المقاصد الضرورية الخمسة وهي: الدين والنفس والعقل والنسل والمال. وكل شرع حكيم إذا فتح بابًا لجلب مصلحة، لابد له من أن يسد بقية الأبواب التي تعارض هذا الباب، حتى يتم جلب المصلحة المقصودة بالتشريع، ومما لا شك فيه أن الزواج هو الذي جعله الشارع طريقًا لإنجاب النسل، ووسيلة صالحة لرعايته .. فإذن لابد من قفل جميع الطرق التي تعارض أو تناقض ذلك الطريق. ومن أهم الطرق التي تحافظ على النسل - خاصة عند انتشار الأمراض الوراثية والمعدية في منطقة معينة - وتمنع الأمراض المستعصية؛ ما يتم من إجراء الكشف الطبي على الزوجين قبل الزواج؛ للتأكد من سلامة الزوجين من تلك الأمراض الوراثية أو المعدية التي تهدد كيان الأسرة والمجتمع.

ويمكننا أن نحمل معنى الأحاديث الواردة في ذلك - مثل ما أخرجه البخاري عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"وفر من المجذوم كما تفر من الأسد". [1] وقوله صلى الله عليه وسلم أيضًا:"ولا توردوا الممرض على المصح". [2] - على الأحوال التي تنتشر فيها الأمراض المعدية أو الوراثية، والتي لا يمكننا أن نعرف مدى خطورتها على الزوجين - ومن ثم الأبناء - إلا عن طريق إجراء الفحص الطبي قبل الزواج. وهو لا يتعارض مع الشريعة الإسلامية ولا مع مقاصد الزواج في الإسلام، ولأن زواج الأصحاء يدوم ويستمر أكثر من زواج المرضى.

ثانيًا: إذا أنعمنا النظر في مفهوم السياسة الشرعية عند العلماء القدامى والمعاصرين؛ نجد أن مثل هذا الإجراء - أي الفحص الطبي قبل الزواج - يدخل ضمن مهام ولي الأمر - رئيس الدولة - فالفحص الطبي من أحكام

(1) سبق تخريجه، ضمن المطلب الأول من الفصل الثالث من هذا البحث.

(2) سبق تخريجه، ضمن المطلب الأول من الفصل الثالث من هذا البحث.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت