...علم المكاشفة -وهو علم الباطن- وذلك غاية العلوم، فقد قال بعض العارفين: من لم يكن له نصيب من هذا العلم أخاف عليه سوء الخاتمة، وأدنى نصيب منه التصديق به والتسليم لأهله...وأقل عقوبة من ينكره أنه لا يذوق منه شيئًا...وهو علم الصديقين والمقربين (أعني: علم المكاشفة) فهو عبارة عن نور يظهر في القلب عند تطهيره وتزكيته من صفاته المذمومة (1) ، وينكشف من ذلك النور أمور كثيرة كان يسمع من قبل أسماءها، فيتوهم لها معانٍ مجملة، غير متضحة، فيتضح إِذ ذاك، حتى تحصل المعرفة الحقيقية بذات الله سبحانه، وبصفاته الباقيات التامات، وبأفعاله، وبحكمه في خلق الدنيا والآخرة، ووجه ترتيبه للآخرة على الدنيا، والمعرفة بمعنى النبوة والنبي، ومعنى الوحي، ومعنى الشيطان، ومعنى لفظ الملائكة والشياطين، وكيفية معاداة الشياطين للِإنسان، وكيفية ظهور الملك للأنبياء، وكيفية وصول الوحي إِليهم، والمعرفة بملكوت السماوات والأرض، ومعرفة القلب، وكيف تصادم جنود الملائكة والشياطين فيه، ومعرفة الفرق بين لمة الملك ولمة الشيطان، ومعرفة الآخرة والجنة والنار، وعذاب القبر والصراط والميزان والحساب، ومعنى قوله تعالى: (( اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا ) ) [الإسراء:14] . ومعنى لقاء الله عز وجل، والنظر إِلى وجهه الكريم، ومعنى القرب منه والنزول في جواره...إِذ للناس في معاني هذه الأمور بعد التصديق بها مقامات شتى، فبعضهم يرى أن جميع ذلك أمثلة.. وبعضهم يدعي أمورًا عظيمة في المعرفة بالله عز وجل...فنعني بعلم المكاشفة أن يرتفع الغطاء حتى تتضح له جلية الحق في هذه الأمور إيضاحًا يجري مجرى العيان الذي لا يشك فيه، وهذا ممكن في جوهر الإنسان لولا أن مرآة القلب قد تراكم صدؤها وخبثها بقاذورات الدنيا، وإنما نعني بعلم طريق الآخرة العلم بكيفية تصقيل هذه المرآة عن هذه الخبائث
(1) مرّ معنا قبل صفحات معنى عبارة: (صفاته المذمومة) .