ويقول: ...الفريق الثاني ليس بهم عمى، ولكن بهم عور؛ لأنهم يبصرون بإِحدى العينين وجود الموجود الحق، فلا ينكرونه، والعين الأخرى إِن تم عماها لم يبصر بها فناء غير الموجود الحق، فأثبت موجودًا آخر مع الله تعالى، وهذا مشرك تحقيقًا...فإِن جاوز حد العمى إِلى العمش أدرك تفاوتًا بين الموجودين، فأَثبت عبدًا وربًّا، فبهذا القدر من إِثبات التفاوت والنقص من الموجود الآخر دخل في حد التوحيد، ثم إِن كحل بصره بما يزيد في أنواره، فيقل عمشه، وبقدر ما يزيد في بصره يظهر له نقصان ما أَثبته سوى الله تعالى، فإِن بقي في سلوكه كذلك، فلا يزال يفضي به النقصان إِلى المحو، فينمحي عن رؤية ما سوى الله، فلا يرى إِلا اللّه، فيكون قد بلغ كمال التوحيد، وحيث ادرك نقصًا في وجود ما سوى اللّه تعالى دخل في أوائل التوحيد...وترجمته قول: (لا إِله إِلا الله) ، ومعناه أن لا يرى إلا الواحد الحق، والواصلون إِلى كمال التوحيد هم الأقلون...إذ عبدة الأوثان (( مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى ) ) [الزمر:3] ، فكانوا داخلين في أوائل أَبواب التوحيد دخولًا ضعيفًا (1) .
* الملحوظات:
لا بأس الآن من إِضافة فقرة متممة للنص، أفردتها عنه لأن لها قيمة خاصة، يقول: (.. وفيهم من تنفتح بصيرته في بعض الأحوال، فتلوح له حقائق التوحيد، ولكن كالبرق الخاطف لا يثبت، وفيهم من يلوح له ذلك ويثبت زمانًا ولكن لا يدوم، والدوام فيه عزيز) .
-هذه صورة مما يحدث عندما يبلغ السالك إِلى ما يسمونه: (الفناء في الله أَو الجمع..) ، ستفيدنا فيما بعد.
(1) الإحياء: (4/75) .