ويقول: من هنا ترقى العارفون من حضيض المجاز إِلى يفاع الحقيقة، واستكملوا معراجهم، فرأوا بالمشاهدة العيانية أن ليس في الوجود إِلا الله تعالى، وأن (( كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ ) ) [القصص:88] لا أنه يصير هالكًا في وقت من الأوقات، بل هو هالك أزلًا وأبدًا، ولا يتصور إلا كذلك...فإذن لا موجود إِلا الله تعالى ووجهه، فإذن كل شيء هالك إِلا وجهه أزلًا وأبدًا...ولم يفهموا من معنى قوله: (الله أَكبر) أَنه أَكبر من غيره، حاشا لله، إِذ ليس في الوجود معه غيره حتى يكون أكبر منه (1) ...
ويقول: العارفون بعد العروج إِلى سماء الحقيقة اتفقوا على أَنهم لم يروا في الوجود إِلا الواحد الحق (2) ...
-وأختم هذه الجرعة الضئيلة من بحر أقوال الغزالي في هذا الموضوع بنتف من تائيته؛ يقول:
إِذا كان قد صح الخلاف فواجب ... ... على كل ذي عقل لزوم التقية (3)
وهل أنا إِلا أنت ذاتًا ووحدة ... ... وهل أَنت إِلا نفسي عين هويتي
كأني لم أحجب بها وكأنما هي ... ... احتجبت بي فازدهى الناس عشقتي
فدِِنْتُ بأمر حرمته شريعتي ... ... وأَحييتُ حكمًا قد أَماتته سنتي (4)
تسترتُ جهدي في هواك وطاقتي ... ... فلما مُنِعْتُ الصبر أَبديت صفحتي
فأعلنتُ ما أسررتَ فيّ فلم يكن ... ... بقولٍ ولا فعلٍ سواك فضيحتي
وقد كان لي في الصبر ستر على الهوى ... ... بهتكك ستر الصبر أَبديت عورتي (5)
يكِلُّ لساني عن صفاتي وإِنما ... ... يُعبر عني أَنني ذاتُ وحدة (6)
-لا بأس من التنبيه إِلى فكرة (لزوم التقية) في البيت الأول، حيث نعرف أَننا أَمام (فرقة باطنية) ترى لزوم التقية، وقد مر هذا، وهي ملحوظة هامة جدًّا جدًّا.
(1) مشكاة الأنوار (حقيقة الحقائق) ، (ص:55) .
(2) مشكاة الأنوار (إشارة) (ص:57) .
(3) النفحات الغزالية، (ص:149) .
(4) النفحات الغزالية، (ص:173) ، والأبيات ليست متتابعة في القصيدة.
(5) النفحات الغزالية، (ص:169) .
(6) النفحات الغزالية، (ص:170) .