الصفحة 17 من 69

القرآن، وأن ترد السُّنن إلى بعضها البعض، وأن تفهم الأحاديث في ضوء ملابساتها ومقاصدها، وأن نُميز بين الهدف الثابت والوسائل المتغيرة ..."."

هذه الملاحظة المتكررة من روّاد"فقه الأقليات"، والتي تبلغ أقصى درجات الإفصاح عنها (محاولة تقييد العمل بالسُّنة ومحاولة وضع حدود وقيود لا حصر لها على ذلك) ، مع تأصيلات الدكتور العلواني، هذه الملاحظة وتكرارها صارت ذريعة لفريق وصفه القرضاوي -في دراسة أخرى- بـ"العلمانيين الذين أقحموا أنفسهم على الشريعة"، لكي ينكروا السُّنة ويلفظوها، بل والنصوص بعامة؛ بدعوى أن القرآن أبا القوانين الإسلامية لم يُعنَ إلا"بإرساء القواعد والمبادئ العامة، أكثر من التعرض للجزئيات والتفصيلات، بخلاف السُّنة". وعلى الرغم من أن القرضاوي ليس من هذه المدرسة بل يهاجمها، إلا أن كثيرًا من مثل هذه العبارات يحملها البعض باعتبارها ذرائع لاتجاهاتهم المخالفة، وهذا من سلبيات التعميم السائد.

وسوف نجد أن مثل هذا الإطلاق للقرآن دون السُّنة يستحيل -عند متفقهة الأقليات- منهجًا لإحالة السُّنة ومعها كل التراث الإسلامي إلى نسبوية وخصوصيات وقتية ظرفية يتسع المجال لتجاوزها أو لإغفالها بالكلية.

الاجتهاد في فقه الأقليات -كما يعرضه القرضاوي- انتقائي:"ينتقي من القديم في ضوء الأصول والاعتبارات الشرعية"، وإبداعي:"لما امتلأت به الحياة المعاصرة من ألوف المسائل الجديدة التي لا يمكن أن تجد لها جوابًا مباشرًا في تراثنا الفقهي العظيم"-على حد قول الشيخ القرضاوي."وهذا الاجتهاد إنما هو جزء من (التجديد) للدين". وهذا الاجتهاد يراعي الاستناد إلى القواعد الفقهية التي أصّلها الفقهاء ... وهي كثيرة، ذكر منها القرضاوي نحو أربعين قاعدة نصفها الأول يتعلق بالضرورات والضرر والمفاسد والمشاقّ والضيق ... بما يشير إلى حاجة فقه الأقليات إلى التيسير ومراعاة حالات الحرج والمشقة والضرورة ...""

"... يصل د. النجار إلى أن ما يقدِّمه هو من تأسيس لقواعد تأصيلية لفقه الأقليات المسلمة بالبلاد الأوروبية"لا يقصد منه تأسيس اختراعي لقواعد جديدة تُستحدث به استحداثًا بعد أن لم تكن موجودة في المدوَّنة التراثية لعلم أصول الفقه بفروعه المختلفة، بقدر ما يُقصد منه تأسيسٌ يستثمر فيه ما جاء في تلك المدونة من ثراء في قواعدها وضوابطها، لتُستخلص جملة منها تؤلِّف في بناء جديد، وتوجِّه توجيهًا جديدًا، بحيث يتكوّن منها منهج أصولي متكامل يؤصل لفقه الأقليات"."

ومن قراءة ما يقدمه د. النجار يتضح أنه لا يدخل في قواعد فهم النص واستنباط فقه جديد بقدر ما يدخل في قواعد تطبيق النص والإفتاء به؛ فهي قواعد حركة لحل إشكالات أكثر منها قواعد نظرية، وهي قواعد إفتاء أكثر منها قواعد استنباط أحكام ...""

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت