الصفحة 18 من 69

"... والاتجاه الثاني يبدو أكثر انفتاحًا وإقبالًا على التجديد في أصول الفقه وعلى الأخص اجتهاد فضيلة الدكتور العلواني ثم دراسة الأستاذ الدكتور جمال عطية ..."

إن ما يقدمه الدكتور العلواني تحت عنوان (مدخل إلى فقه الإقليات) ، ثم تحت عنوان أدق هو (نحو بناء أصول لفقه الأقليات) ، يعد ثورة وانقلابًا في عالم الأصول الفقهية؛ فبالرغم من استدراك فضيلته المبدئي بعدم تجاهل"أدلة الفقه ولا شروط الاستنباط منها ..."، إلا أنه يعود في صفحات عدة ليطرح منهجًا جديدًا تمام الجدّة على الفقه الموروث، في أصول الاجتهاد وبناء الأحكام التكليفية وتفريعها، لتقويم الفعل الإنساني وإعطائه الوصف الملائم له من كونه"ينبغي أن يفعل"أو"لا ينبغي أن يفعل"ونحو ذلك.

ويمكن أن نختصر أصول العلواني الفقهية الجديدة في: الجمع بين القراءتين، ثم حاكمية القرآن على السُّنة، والطبيعة المبيّنة فقط (غير الإنشائية للحكم) بالنسبة للسُّنة النبوية، وتراجُع معنى الحُجية في الإجماع والقياس إلى مستوى الوسائل المنهجية أو دوائر الفهم، والفهم بالعموميات من المبادئ الأساسية والقيم الحاكمة والمقاصد العليا والقواعد الكلية لا بالنصوص الجزئية، والمنطق القرآني الكامن في القرآن الذي يقدر الإنسان على كشفه ليشكل قوانين تعصم"العقل الموضوعي"من الشذوذ والخطأ، ويمكن أن يوجد قاعدة مشتركة للتفكير بين البشر (هكذا كل البشر) ، ثم اعتبار عالمية الخطاب القرآني، التي يواجه بها الحالة العالمية الراهنة بوصفه كتابًا يقوم على"قواعد إنسانية وقيم مشتركة"...

(هذا الاتجاه) لا يمثل تجديدًا عاديًا، بل تجديدًا جذريًا؛ أهم مآلاته:

-أنه لا ينبغي الرجوع إلى أعيان الأدلة (الآيات والأحاديث الجزئية) بقدر ضرورة العودة إلى أجناسها وعموميات المفهومات عنها.

-إحلال"القيم والمقاصد والمبادئ والقواعد العامة"محل الدلالات الخاصة للأدلة التفصيلية بدلًا من أن تأتي الأولى في مقام المعضدات والضوابط للثانية.

-إنشاء قواعد جديدة للترجيح بين الدلالات.

-إلقاء غشاوة ثقيلة على الحديث وعلومه، وعلى الفقه وأصوله؛ بذريعة"النسبوية"في مقابل الإطلاق القرآني وحده، بل إن السُّنة نفسها -بجملتها- أُدرجت في عالم"النسبيّ"الزمكاني، باعتبارها -كما يقول فضيلة الدكتور العلواني- بيانًا للقرآن و"تنزيلًا لقيمه في واقع نسبيّ محدد".

-فتح المجال أمام أهل"الرأي والفكر"المجرَّد من السند التفصيلي؛ لكي يتكلموا بكلام الفقهاء في أفعال المكلَّفين بما"ينبغي فعله وما لا ينبغي"، على حد تعبير الدكتور العلواني.

وثمة إشكال تأصيلي آخر يظهر في النموذج الأخير- الدكتور جمال الدين عطية، فبالإضافة إلى اعتماد أفكار المدرسة الإنسانية في النظرة إلى ما يسمى اليوم بـ"الآخر"من"وحدة"

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت