كما أشار فضيلته إلى ركيزة رابعة وهي التركيز على فقه الجماعة لا مجرد الأفراد على أساس أن الأقلية باعتبارها (جماعة متميزة) يجب أن تستطيع أن تعيش إسلامها"قوية متماسكة مؤمنة بالتنوع في إطار الوحدة .. ومن حق الجماعة المسلمة في ديار الغرب ونحوها: أن تكون جماعة قوية متعلمة متماسكة قادرة على أن تؤدي دورها وتتمسك بدينها وتحافظ على هويتها وتنشئ أبناءها وبناتها تنشئة إسلامية حقة، وتبلغ رسالتها إلى من حولها بلسان عصرها".
وهذا الربط -من جانب د. القرضاوي- بين مراعاة فقه الواقع وبين التركيز على فقه الجماعة إنما يبين رؤيتين عن جانب آخر من نمط الوجود المسلم -إلى جانب نمط التفاعل الإيجابي مع المجتمع المحيط- حيث لن يتحقق هذا التفاعل الإيجابي بدون حركة الجماعة المسلمة وبدون علاج مشاكل واقعها ومعيشتها كجماعة وليس مجرد أفراد -فهذا هو شرط التفاعل الإيجابي- كما يتضح لي من قراءة د. القرضاوي.
ولكن ماذا عن"شكل تحقق هذا النمط من الوجود قانونيًا؟"ماذا عن قبول مبدأ المواطنة الأوروبية، أو الجنسية الأوروبية؟ وهل من بدائل أخرى؟
فمن أهم معالم الجديد في الفكرة التي طرحها د. القرضاوي -ما يمكن تسميته بفكرة الولاء المزدوج؛ حيث -كما سبقت الإشارة- يرى أن الأقليات المسلمة جزء من أمتها المسلمة من ناحية، وجزء من مجتمعاتها الخاصة التي تعيش فيها من ناحية أخرى، وأنه يجب مراعاة هذين الجانبين بحيث لا يطغى أحدهما على الآخر.
ويتضح من محتويات طرح د. العلواني، موافقته على مفهوم"المواطنة"، والذي تناوله أيضًا بطريقة أكثر صراحة طارق رمضان (كما سنرى) . ومبدأ المواطنة -لم يعرفه الفقهاء القدماء -بل فإن الفقه التقليدي قد اتحد لديه معنى"الولاء السياسي"في معنى"الولاء الديني"، حيث لا ينحصر ولاء المسلم السياسي في إقليم، ناهيك عن تأقيتهم الوجود في الخارج وشرطه بحالة الضرورة.
إلا أن د. النجار [1] قدم طرحا مخالفا؛؛ حيث تحددت رؤيته عن نمط الوجود المسلم من أمرين: تعريفه لوضع الأقلية، ومفهومه عن التأصيل لفقه حضاري وفقه جماعي.
وعن الأمر الأول يقول:
"وفي تحديد مصطلح الأقليات المسلمة المقصود في هذا المقام، ربما تعترض بعض المشكلات، فاللفظ بظاهره حينما يندرج في المصطلح العام للأقليات يكون دالا على مدلول عددي، ومدلول تميز ثقافي، فيصبح المعنى المقصود بالأقليات المسلمة تلك المجموعة من الناس التي تشترك في التدين بالإسلام، وتعيش أقلية في عددها ضمن مجتمع أغلبه لا يتدين بهذا الدين"...
(1) النجار مرجع سابق.