ولعله أراد بذلك التسهيل على المبتدئين في هذا العلم ، ومعلوم أن الهمم - لاسيما في الأزمنة المتأخرة - قد فترتْ وضعُفَتْ، والاختصار يناسبها ، وإن كان التطويل لا بد منه للمخصصين في هذا الفن ، ولما كانت هذه المنظومة مختصرة ، رقيقة ، لطيفة ؛ انتشرت بين طلاب العلم ؛ وكثر شراحها ، ولعل ذلك لحسن نية الناظم - والله أعلم - والتوفيق بيد الله سبحانه .
الحديث الصحيح
قال الناظم - رحمه الله -:
3-أَوَّلُها الصَّحِيْحُ وَهُوَ ما اتَّصَلْ ... إِسْنَادُهُ وَلَمْ يُشَذَّ أَوْ يُعَلْ
4-يَرْوِيْهِ عَدْلٌ ضَابِطٌ عَنْ مِثْلِهِ ... مُعْتَمَدٌ فِيْ ضَبْطِهِ وَنَقْلِهِ
شرع الناظم - رحمه الله - في بيان ما وعَدَ به من ذِكْر أقسام علوم الحديث، فبدأ بذِكْر الحديث الصحيح ،وبَيَّنَ شروطه؛ ولقد أحسن الناظم في البدء بهذا النوع ؛ فإنه أشرف الأنواع ذكرًا ، وأجلُّها قدْرًا ، وأعظمها حجة .
واعلم أن تحت هذين البيتين عدة مسائل:
(المسألة الأولى:
قوله:"أولها الصحيح"وفيه ثلاثة مباحث:
(أ) أن"ها"من قوله:"أولها"ضمير يعود على أقسام علوم الحديث، لا أقسام الحديث من جهة القبول والرد، كما سبق بيانه .
(ب) لماذا بدأ الناظم - رحمه الله - بذِكْر الحديث الصحيح، وجَعَلَه أول الأقسام ؟
الجواب: سبب ذلك: أن الحديث الصحيح هو أعلى أنواع الحديث قدْرًا، وأشرفها ذِكْرًا، والبدء بالأشرف يتفق عليه العقلاء.
ويضاف إلى ذلك: أن المقصود الأول من دراسة هذا الفن: أن نُميز الصحيح من غيره،فنأخذ الصحيح ، ونترك المردود، فكان البدء به أولى ، والله أعلم [1] .
(ج) أقسام الحديث الصحيح:
ينقسم الحديث الصحيح إلى قسمين:
(1) صحيح لذاته، وهو الذي أراد الناظم تعريفه، كما يظهر مما ذكره من شروط، وهو على مراتب.
(2) صحيح لغيره، وهو دون الصحيح لذاته ، وسيأتي الكلام عنه في الحديث الحسن - إن شاء الله تعالى - .
(1) وانظر نحو ذلك في"فتح المغيث" ( 1 / 14 ) .