وعقب الأستاذ رشيد رضا على ذلك بقوله"فكل مسلم يكون في مكان يفتن فيه عن دينه بأن يكون ممنوعا من إقامته فيه كما يعتقد، يجب عليه أن يهاجر منه إلى حيث يكون حرا في تصرفه وإقامة دينه" [1] .
وقال صاحب الكشاف عند تفسيره لقوله تعالى {إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا (97) } النساء: 97
"وهذا دليلٌ على أن الرجل إذا كان في بلد لا يتمكن فيه من إقامة أمر دينه كما يحب، لبعض الأسباب والعوائق عن إقامة الدين لا تنحصر، أو علم أنه في غير بلده أقوم بحق الله وأدوم على العبادة حقت عليه المهاجرة." [2] .
وذكر ابن العربي في أحكام القرآن من الأسباب الداعية إلى هجر الأوطان:"الْفِرَارُ مِنْ الْإِذَايَةِ فِي الْبَدَنِ؛ وَذَلِكَ فَضْلٌ مِنْ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ أَرْخَصَ فِيهِ، فَإِذَا خَشِيَ الْمَرْءُ عَلَى نَفْسِهِ فِي مَوْضِعٍ فَقَدْ أَذِنَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ لَهُ فِي الْخُرُوجِ عَنْهُ، وَالْفِرَارِ بِنَفْسِهِ؛ لِيُخَلِّصَهَا مِنْ ذَلِكَ الْمَحْذُورِ." [3] .
* أقول: لقد تذكرت والذكرى مؤرقةٌ: المسلمين في الأندلس لما تمكن النصارى منهم فأجبروا من لم يتمكن من الفرار على ترك الإسلام ونسيان لغة القرآن ففرَّ من فر بدينه وبقي من بقي على دينه خفية لا يستطيع أن يجهر به وإلا فإن محاكم التفتيش مصيرُه؛ حيث العذاب صنوف وألوان، حتى أُجبروا على دخول الكنائس، وممارسة شعائر النصرانية وتسمية أولادهم بأسمائهم. [4]
(1) - نفس المرجع 5/ 361
(2) - الكشاف للزمخشري 1/ 451
(3) - أحكام القرآن لابن العربي 2/ 454
(4) - وفي هذه المحنة قال الأديب الشهير أبو البقاء صالح بن شريف الرندي:
لكل شيء إذا ما تم نقصان ... فلا يغرُّ بطيب العيش إنسان
هي الأمور كما شاهدتها دول ... من سره زمن ساءته أزمان
دهى (الجزيرة) أمرٌ لا عزاء له ... هوى له (أحدٌ) وأنهدّ (ثهلان)
فاسأل (بلنسيةً) ما شان (مرسية) ؟ ... وأين (شاطبة) أم أين (جيان) ؟
وأين (قرطبة) دار العلوم فكم ... من عالم قد سما فيها له شان
تبكي الحنيفية البيضاء من أسف ... كما بكى لفراق الإلف هيمان
على ديار من الإسلام خاليةً ... قد أقفرت ولها بالكفر عمران
حيث المساجد قد صارت كنائسَ ... ما فيهن إلا نواقيس وصلبان
حتى المحاريب تبكي وهي جامدة ... حتى المنابر تبكي وهي عيدان
تلك المصيبة أنست ما تقدمها ... وما لها من طوال الدهر نسيان
يا راكبين عتاق الخيل ضامرةً ... كأنها في مجال السبق عقبان
وحاملين سيوف الهند مرهفةً ... كأنها في ظلام النقع نيران
وراتعين وراء البحر في دَعَةٍ ... لهم بأوطانهم عزٌّ وسلطان
أعندكم نبأ من أهل أندلس ... فقد سرى بحديث القوم ركبان
كم يستغيث بنا المستضعفون وهم ... قتلى وأسرى فما يهتزُّ إنسان
يا من لَِذلَّةِ قومٍ بعد عِزِّهُمُ ... أحال حالهم جور وطغيان
بالأمس كانوا ملوكًا في منازلهم ... واليوم هم في بلاد الكفر عبدان
فلو تراهم حيارى لا دليل لهم ... عليهم في ثيابِ الذلِّ ألوانُ
يا رُبَّ أمٍ وطفل حيل بينهما ... كما تفرق أرواح وأبدان
يقودها العلجُ للمكروه مكرهةً ... والعين باكية والقلب حيران
وطفلة مثل حسن الشمس إذ ... طلعت كأنما هي ياقوت ومرجان
يقودها العلج للمكروه مكرهةً ... والعينُ باكيةٌ والقلب حيران
لمثل هذا يذوب القلب من كمد ... إن كان في القلب إسلام وإيمان
يراجع نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب أحمد بن المقري التلمساني 4/ 488.
محاكم التفتيش في الأندلس تأليف محمد علي قطب - ط مكتبة القرآن بمصر وقد أورد فيه المؤلف نقلا عن مراجع عربية وأجنبية صورا بشعة لأنواع التعذيب الوحشي للمسلمين بعد أن حكم الطغاة الأسبان وما يحدث لإخواننا المستضعفين في كثير من البلدان ليس ببعيد.