أيها الإخوة، إن المحاضرة التي أعددتها تتطلب وقتًا طويلًا ومناسبًا، وأنا لا أريد أن أثقل عليكم، أن أنقلكم من جو المرح إلى جو الفكر، لا أريد أن أزعجكم بالكلام الثقيل، فقط اسمحوا لي أن أقول كلمة قصيرة:
إن ما أتمناه أيها الإخوة أن يتحول جزء من المقاهي العديدة التي يلتصق بعضها ببعض في شوارع مدينتكم، إلى مكتبات وأن يتحول الجزء الآخر إلى قاعات لمحو الأمية، لعلنا أيها الإخوة عند ذلك فقط نستطيع أن نلتقي في محاضرة..
كنت تتحدث وأنت تركز نظرك بالذات على السلطات المحلية..
أيها الإخوة، أرجو المعذرة، ولعلني سأعود في ظرف آخر مناسب لألقي محاضرتي، فإلى اللقاء. عندما كنت خارجًا من الباب الخلفي ألتقيت بأحد منظمي الحفل فأحتج مظهرًا اللطف بأن محاضرتك كانت قصيرة جدًا، خمس دقائق عوض خمس عشرة دقيقة، فرددت عليه بأن هذا يكفي اليوم، وربما سنلتقي مرة أخرى، وودعته شاكرًا ومشجعًا ومتمنيًا مزيدًا من الاهتمام بالنشاط الثقافي، وانصرفت..
وقبل أن تبتعد عن قاعة الحفلات التابعة لمديرية الثقافة، كانت قد عادت إليها الموسيقا والغناء والرقص.. عادت الحيوية.. عاد الانسجام التام..
عين النعجة في 7/9/1985
في المحطة
المنظر الأول:
كان المساء.. وكانت الحركة قوية في الشارع وفي المدينة.. الجو رائق وجميل.. تعج المحطة بالمنتظرين.. تزداد ازدحامًا. ثم تفرغ قليلًا قليلًا، ويتقدم الليل.. العالم كله يتحرك ويجري الا هما.. كان ينتظرها في المحطة أو بالأحرى على بعد خطوات منها، تأتي في الوقت بالضبط، يقدم لها وجهه فتقبله قبلتين رائعتين على الخدين، كانت لهفة اللقاء في أعينهما واضحة، يمسك بيدها وينسيان العالم والمحطة وكل شيء ويسافران بعيدًا.. بعيدًا وهما يتحركان في خطوات متزنة في شارع صغير من شوارع المدينة، حديثهما كلمات قليلة وصمت كثير.. يغيبان بعيدًا في الشارع ثم يعودان إلى المحطة.. يقتربان منها ويتركانها في اتجاه شارع آخر..
الوقت يمضي والمحطة تكتظ بالمنتظرين.. بالحديث.. بالصخب.. ثم تفرغ من جديد ويتقدم الليل، وتقل الحركة، ويقل عدد المنتظرين، ويعودان في هدوئهما الاعتيادي، وفي صمتهما، كل منهما يمسك بيد الآخر.. بعيدان عن العالم كله. ويقتربان من المحطة لينتظرا الحافلة الأخيرة..