عندما فتحت الستارة صفق بعض الأفراد، كما صدرت بعض التعليقات متنوعة من جهات مختلفة ونظرت في الوجوه، حاولت أن أتعرف على جمهور القاعة ولو في بعض العجالة، أطفال مراهقون في معظمهم، وفي الصف الأول فقط يجلس شبان وكهول محترمون هم السلطات المحلية.. وتذكرت عندما دخلت قبل ساعات إلى المكتبة الوحيدة في المدينة كما علمت من صاحبها ورأيت بعض الكتب الهامة، ومن بينها الروايات والقصص التي فقدت من مكتبات العاصمة رأيتها وقد غطى الغبار أغلفتها..
إذن من أين تبدأ كلامك؟ تحدثهم عن القصة؟ وما هي القصة؟ استغرق تفكيرك في هذه الأمور لحظات قليلة، ومع ذلك كانت فرصة لمزيد من التصفير والشغب، من طرف الصفوف الخلفية خاصة، وفي الأخير وجدت نفسك مضطرًا أن تتحدث حتى تسكت المشاغبين على الأقل:
-أيها الأخوة..
كدت تضيف: أيتها الأخوات، لكنك استدركت عندما جلت بنظرك جولة سريعة في كل أرجاء القاعة، فلم تلاحظ وجود امرأة واحدة فأضفت: أيها الأخوة، مرة ثانية، ثم واصلت: أريد قبل كل شيء أن أعبر عن فرحي الكبير، فأنا أزور هذه المدينة لأول مرة..
كنت تظن أنهم سيسكتون بمجرد أن تبدأ الكلام إلا أن الهرج والشغب ازدادا عن السابق، ويبدو أنهم كانوا يحتجون على هذا الخلل وهذا النشاز الذي حدث في برنامج الحفل.. وفكرت آنذاك لو تقوم فتحكي لهم نكتة، أو ترقص لهم رقصة معبرة، أو حتى تغني لهم أغنية ما، أية أغنية، لعلهم يسكتّون، ولكنك وللأسف الشديد لا تحسن النكتة ولا الرقص ولا الغناء، أيها الأخوة..
ورأيت أحدهم يرقص في آخر القاعة، كان يتمايل في حركات منتظمة، لفتت إليه أنظار جماعة من أصحابه، وغير أصحابه الذين كانوا يصفقون له في غاية الحماس، مما جعل السلطات المحلية تلتفت بكامل أفرادها إلى الوراء مظهرة كل الاستنكار..
واصلت كأنك لم تر، ولم تسمع شيئًا بينما كانت مجموعة أخرى على يمين القاعة تحيط بأحدهم في غاية الانتباه، ثم من حين لآخر تصدر من أفرادها قهقهات عالية تلفت بدورها انتباه السلطات المحلية، إذ يبدو أن الأخ الذي لم يكن يظهر من وسط الجماعة كان موهوبًا في حكاية النكات..
وبالإضافة إلى هؤلاء وأولئك كان هناك الواقف والماشي والداخل والخارج الخ: الخ.. أيها الإخوة..
قلت ذلك وعلى وجهك تظهر ابتسامة لطيفة، وفي داخلك تغلي براكين لا يطفيء لهيبها النيل ولا ثلوج سيبيريا..