كان يظن أنك ستهجم عليه لتقبله في حرارة لهذه البشرى السارة، لذلك حط عينيه قليلًا، وأطرق برأسه عندما رأى بأنك لم تبد كبير اهتمام لهذه البشرى، وفكرت آنذاك أنهم لو لم يروك في تلك الحالة العصبية التي كانت بدون شك واضحة على ملامح وجهك لقدموا فرقًا أخرى تعزف وتغني وترقص، وخلفوك إلى منتصف الليل أو ربما لكانوا نسوك تمامًا.. حملت محفظتك واتجهت إلى المنصة التي وجدت عليها طاولة وكرسيًا ومع العلم أن الستار الذي يفصل بين المنصة والجمهور كان منسدلًا..
وجاء أحد منظمي الحفل يسألك عن المدة بالضبط التي ستستغرقها محاضرتك، ثم أقترح قبل أن تجيبه بأنه من المناسب جدًا لو استغرقت ربع ساعة على الأكثر، كما كتبوا في برنامج الحفل، فأجبته بأنك أنت بدورك قررت ربع ساعة بالضبط، ربما صدفة.. النيران كانت بداخلك ملتهبة، وأنت تبتسم له في غاية اللطف، وأخيرًا فتح جانب فقط من الستار خرج منه مقدم الحفل الذي اختفى عن نظرك وصار مواجهًا للجمهور ليعلن في كثير من الفخر والاعتزاز والثقة بالنفس، بينما كانت تصدر من الجمهور تصفيرات وتعليقات معظمها غير مؤدب، فقد كان هذا الجمهور يتكون كما عرفت بعد أن رفع الستار بينك وبينه في غالبيته من الأطفال المراهقين بالإضافة إلى بعض رجال السلطات المحلية الذين كانوا يحجزون الصف الأول، والذين لم يكن عددهم يزيد عن عشرة أفراد..
قال مقدم الحفل وهو يموسق صوته بشكل في غاية التكلف لعله يجد صدى في الجمهور المنشغل عنه بالتهريج:
وبعد أيها الأخوة الحاضرون، أيها الأخوة الأعزاء، ها نحن ننتقل بكم من دنيا الفن، دنيا الرقص والغناء والعزف إلى دنيا الفكر، وهكذا أيها الإخوة، وهكذا ترون أن سهرتنا الليلة في غاية الروعة، في غاية التنوع، إننا سنقضي وقتًا ممتعًا وجميلًا ورائعًا مع محاضرة قيمة تنقلنا إلى ماضينا المجيد، ماضي الجزائر الثوري، ماضي المليون ونصف المليون شهيد، أيها الإخوة، سنترككم الآن مع الأستاذ المحاضر، ومع المحاضرة القيمة التي ستدوم ربع ساعة). اتجه مقدم الحفل بعد ذلك إلى الباب الخلفي للخروج وهو يطوي الورقة التي كان قبل قليل يقرأ منها ليضعها في جيبه، وشكره أحد الواقفين بالباب الخلفي بقوله:
-أحسنت، بارك الله فيك.. والله أنت مكانك في الإذاعة، وليس هنا..