المحطة تكتظ ثم تفرغ، والحركة في الشارع تقوى ثم تبدأ في التناقص.. وتأتي الحافلة الأخيرة.. فتفرغ المحطة تمامًا.. ويأتي هو.. يقترب من المحطة.. يقف فيها لحظات ينظر في الفراغ.. الحركة في الشارع تكون قد تحولت إلى صمت كامل تقريبًا.. وتهب موجة باردة من هواء منتصف الليل لتحرك أغصان الأشجار العالية والمصابيح، وتكنس المحطة والشارع من قطع الأوراق المتناثرة.. ويأتي كلبان صغيران، يمران في تكاسل واضح، ثم يتجهان إلى بعض أكياس القمامة في الجهة الأخرى من الشارع ليفتشا عن بقايا طعام..
يشعل سيجارة أخرى ويمضي في خطواته الهادئة في الاتجاه المعاكس لاتجاه الحافلة إلى أن يغيب في الشارع الآخر.
الجزائر في 30/6/1986.
غريق
عبر الموج تسافر وحدك نحو الآفاق بعيدًا، عشرين سنة، تعذبت، تحملت، خنقت الأشواق في داخل ذاتك، لكن الشوق أكبر من أن يقتل، حلاق أنت بسيط متواضع في حي متواضع، لكنك في الحي أكبر من كل الناس، من أمام الحي ومن رئيس البلدية، هذان تغيرا أكثر من مرة، أما أنت فإنك حلاق في الحي منذ عشرين سنة، من يوم قدومك من هناك من أرض الأشواق، حلاق تحسن فن الموسى كما تحسن فن العوم، كسيف علي تتحرك في يدك الموسى، وعبر الماء تنساب تمامًا كالسمكة، وتغطس أحيانًا فتلامس قاع البحر ويظن الناس بألا عودة، لكنك تطلع فجأة من حيث لا أحد يتوقع..
ظللت شهورًا قبل السفر تجرب حظك، صرت رفيقًا للموج وللحيتان، صار الصيادون يرونك في كل الأوقات، مساء وصباحًا، وحتى في الليل، تغطس في الماء وتغيب طويلًا، ثم ترجع بعد أن تنقطع الأنفاس، وتصاب باليأس الأنظار، لم يعد يرهبك الليل ولا الماء البارد، فالشوق أكبر من كل الأهوال..