من ورائه، ومنه قول الراجز في زجر الإبل:
لا تضربا ضربًا ونخا نخا ... لم يدع النخ لهن نخا
وهو أن يسوقها من ورائها.
ومنه قول رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما نحسبه: (( ليس في الجبهة، ولا في النخة، ولا في الكسعة صدقةٌ ) ).
فأما الجبهة: فهو عندنا: الخيل تجبه للقتال، فيقاتل بعضها بعضًا بالجباه.
والنخة: الرقيق؛ لأنها إذا سبيت، سيقت من ورائها، ودفعت دفعًا سوق الأسراء على العنف.
والكسعة: الحمير؛ لأنها تساق من ورائها، وتكسع، ومن ذلك يقال: كسع فلانًا: إذا ضرب مؤخره برجله.
وفيما حكي عن الفراء: أن النخة هي: أن يأخذ المصدق دينارًا بعد فراغه من أخذ الصدقة.
فهذا من ذلك أيضًا أن يأتي الآخذ من ورائه، فالخيانة مشتقة من هذا، وإنما هي في الباطن تلك اللذة التي تأتي بها النفس إلى القلب، فتوجده سرًا مكرًا تخادعه بها، وتزين له، وتموه عليه، فالأمانة قرينها اليقين، فإنما ضاعت الأمانة من العبد من قبل اليقين، وليس شيء في الأرض أعز من اليقين، ولا أقل منه.