المطلب الثالث: أصناف المختلطين
قلت: تعددت تقسيمات المختلطين وتنوعت عند علماء الحديث، فمنهم من جعلهم ثلاثة أقسام، ومنهم من أوصلهم إلى أربعة أنواع، وفرّع على كل نوع تفريعات كثيرة استوعبت ـ بكل دقة وأمانة ـ أدق التفاصيل المتعلقة بالمختلط من ناحية الزمان والمكان، وغيرهما.
وممن أجاد في تقسيمهم: الحافظ صلاح الدين أبو سعيد العلائي، والحافظ البارع المعتلي، ابن رجب الحنبلي بما لم يُسبق إليه من قبل. وسوف أعرض لتقسيم العلائي، وبعده لما تفنن وكتب، وبرع فيه ابن رجب.
1ـ تقسيم الحافظ أبي سعيد العلائي: «أما الرواة الذين حصل لهم الاختلاط في آخر عمرهم فهم على ثلاثة أقسام (1) :
أحدها: من لم يوجب ذلك له ضعفًا أصلًا، ولم يحطّ من مرتبته؛ إما لقِصَرِ مدة الاختلاط وقلته كسفيان بن عيينة (2) ، وإسحاق بن راهويه (3) وهما من أئمة
ــــــــــــــــ
(1) ـ كتاب المختلطين لصلاح الدين العلائي، ت: رفعت فوزي عبد المطلب، وعلي مزيد، مكتبة الخانجي بالقاهرة، ط1/ 1996م. (ص: 3) .
(2) ـ قلت: وممن قال باختلاط ابن عيينة الإمام يحيى القطان:"أشهد أن ابن عيينة اختلط سنة سبع وتسعين ـ ومائة ـ، فمن سمع منه في هذه السنة وبعدها فسماعه لا شيء".
شرح علل الترمذي (2/ 572 ـ 573) . لكن الحافظ الذهبي لم يسلّم في هذا للقطان، واعترض عليه بقوله:"فأما ما بلغنا عن يحيى بن سعيد القطان أنه قال: اشهدوا أن ابن عيينة اختلط سنة سبع وتسعين ومئة، فهذا منكر من القول، ولا يصح، ولا هو بمستقيم، فإن يحيى القطان مات في صفر من سنة ثمان وتسعين مع قدوم الوفد من الحج. فمن الذي أخبره باختلاط سفيان ومتى لحق أن يقول هذا القول وقد بلغت التراقي؟ وسفيان حجة مطلقًا، وحديثه في جميع دواوين الإسلام". سير أعلام النبلاء (8/ 466) . وانظر: الكواكب النيرات (ص: 230) . وقال العلائي:"عامة من سمع منه إنما كان قبل سنة سبع، ولم يسمع منه متأخرًا في هذه السنة إلا محمد بن عاصم الأصبهاني ولم يتوقف أحد من العالمين في الاحتجاج بسفيان". كتاب المختلطين (ص: 45) .
قلت: وهذا هو المعمول به عند أهل الحديث، وما يضير سفيان إذا كان قد تغير في أواخر حياته، ولم يسمع منه سوى راو واحد قيّد الأئمة اسمه. يقول أستاذنا الدكتور نور الدين: وهذا مثال جيد لموانع قبول الجرح في علم الجرح والتعديل.
(3) ـ قال أبو داوود: تغير قبل أن يموت بستة أشهر. الكواكب النيرات (ص: 81) .