وممن اختلط من الرواة أيضًا، ولم يتميز حديثه القديم والمتأخر، فترك الأئمة الاحتجاج به: عبيدة بن مُعَتِّب (1) . قال ابن حبان: «كان ممن اختلط بأخرة، حتى جعل يحدث بالأشياء المقلوبة عن أقوام أئمة، ولم يتميز حديثه القديم من حديثه الجديد، فبطل الاحتجاج به» (2) .
ومنهم: يزيد بن أبي زياد. قال ابن حبان: «كان يزيد صدوقًا، إلا أنه لما كبر ساء حفظه وتغير، فكان يتلقن ما لقن، فوقع المناكير في حديثه من تلقين غيره إياه وإجابته فيما ليس من حديثه؛ لسوء حفظه، فسماع من سمع منه قبل دخوله الكوفة في أول عمره سماع صحيح، وسماع من سمع منه في آخر قدومه الكوفة بعد تغير حفظه، وتلقنه ما يلقن، سماع ليس بشيء» (3) .
قلت: بقي أن أشير إلى مسألة مهمة، وهي: رواية الشيخين، أوأحدهما لمن تُكُلّم فيه بالاختلاط. فصّل القول في هذه المسألة، وأزال الإشكال عنها: الشيخ ابن الصلاح: فقال: «واعلم أن من كان من هذا القبيل محتجًا بروايته في الصحيحين أو أحدهما فإنا نعرف على الجملة أن ذلك مما تميز، وكان مأخوذًا عنه قبل الاختلاط والله أعلم )) (4) .
ـــــــــــــــــــ
(1) ـ عبيدة بن معتِّب الضبي أبو عبد الرحيم الكوفي الضرير، ضعيف، واختلط بأخرة، من الثامنة، له في البخاري موضع واحد في الأضاحي. خت د ت ق. التقريب (ص: 379) .
(2) ـ المجروحين (2/ 173) .
(3) ـ المصدر السابق (3/ 100) .
(4) ـ علوم الحديث (ص: 397 ـ 398) .
قال الحافظ السخاوي:"وما يقع في الصحيحين، أو أحدهما من التخريج لمن وصف بالاختلاط من طريق من لم يسمع منه إلا بعده، فإنا نعرف على الجملة أن ذلك مما ثبت عند المخرج أنه من قديم حديثه، ولو لم يكن من سمعه منه قبل الاختلاط على شرطه ولو ضعيفًا يعتبر بحديثه فضلًا عن غيره لحصول الأمن به من التغير، كما تقدم مثله فيما يقع عندهما اجتماعًا وانفرادًا من حديث المدلسين بالعنعنة". فتح المغيث (3/ 366) .
يقول أستاذنا الدكتور نور الدين: وهذا جواب سديد أيده العلماء، وقرّروه في مصنفاتهم، يشهد له إجماع العلماء على تلقي أحاديث الكتابين بالقبول. شرح العلل تعليقًا (2/ 555) .